123 (10) صدر الدين الشيرازي
وفي رسالة «الخلسة» لصدر الدين الشيرازي (1050ه) يعتمد الإبداع الخالص على الذوق الصوفي. تبدأ برؤية في المنام على لسان جده بعد صلاة بعض النوافل سائرا في طريق وعر حتى رأي طلعة بهية. فاستيقظ وأدرك أنه طريق الملكوت الأعلى، الطريق الذي يسلكه الروح المنطقي مثل «رسالة الطير» لابن سينا.
124
| رابعا: الإبداع الرياضي
واضح أن الإبداع الرياضي، الحساب، والهندسة، والفلك، والموسيقى وباقي العلوم بين الرياضة والطبيعة مثل علم المناظر هو أكثر الإبداعات ربما لقدرة العقل الخالص الموجه بالتوحيد على إدراك التنزيه ودفع العقل إلى إدراك اللامتناهي واللانهائي واللامحدود. فلا فرق بين صورية الرياضة والتنزيه في التوحيد، بين الرياضيات البحتة ورفض التجسيم والتشبيه في العقائد. فإذا كان نسق العقل هو نسق الوحي فمن الطبيعي أن يتحد النسقان في نسق واحد. وهو نفس الدافع وراء الإبداع الرياضي والمنطقي الهندي.
1
وكما يصعب التمييز بين الطبيعيات في علوم الحكمة وبين تاريخ العلوم الطبيعية، يصعب أيضا التمييز بين الرياضيات كجزء من المنطق وبين تاريخ العلوم الرياضية. (1) الحساب والجبر
وبالرغم من أن دور المترجمين كان نقل الوافد أولا وأحيانا تمثله ثانيا إلا أنهم أيضا ساهموا في الإبداع الخالص. (أ) يحيى بن عدي
ففي مقاله في «استخراج العدد المضمر من غير أن يسأل المضمر عن شيء» ليحيى بن عدي (364ه) يغيب الوافد والموروث، ويتم الاعتماد على العقل الخالص. فيقسم العدد المضمر إلى عشرة أنواع لإثبات المطلوب منها جميعا «وذلك ما أردنا معرفته». والبداية بالبسملة، والوسط بمشيئة الله وفي النهاية عون الله.
2
وفي «البحوث الثلاثة عن غير المتناهي» له أيضا يغيب الوافد والموروث على الإطلاق. غرضها إثبات أن من لوازم غير المتناهي أنه لا فرق بين التابع والمتبوع في وجوب النفي أو عدم وجوبه، وأن يكون متناهيا من الأول والآخر، وأنه لا يلزم أن يكون هناك قبل وبعد له. ويتم شرح كل لازمة على حدة لبيان معناها عاريا عن اللبس ابتداء من شرح الألفاظ اعتمادا على الوضوح وأوائل العقول، والانتهاء إلى «وذلك ما أردنا أن نبين». ويحيى هو الذي يقول بضمير المتكلم المفرد دارسا الموضوع دون الاعتماد على أقوال الآخرين. ونقل العبارات الدينية باستثناء البسملة في البداية والاستعانة بالله والدعوة إلى التوفيق للصواب والهداية إلى كل حقيقة في الوسط ثم الحمدلة في النهاية، والشكر لله حسب ما يستحق بإنعامه على جميع الخلق.
3 (ب) القبيصي
ويبدو أن الإبداع في علم الحساب هو أكثر الإبداعات الرياضية استقلالا عن الوافد اليوناني أو الهندي. ففي رسالة «في جميع أنواع الأعداد» للقبيصي (325-380ه) الفلكي المشهور لا يظهر الوافد أو الموروث. بل يشار فحسب إلى جميع القدماء أي الموروث التاريخي العلمي مع ضرورة تجاوز الحساب الهندي إلى الحساب العربي. فالإبداع ليس فقط لدى العلماء كأفراد بل لدى الشعوب كحضارات. ولا يحال إلى الهند إلا لجبل سرنديب كنقطة إحالة لمعرفة قطر الأرض.
4
والحساب هنا ليس علما مستقلا بذاته بل هو أساس العلوم الرياضية كلها، الهندسة والفلك والموسيقى. لذلك يعتبره القبيصي مقدمة لعلم الفلك ومؤسسا له. والحساب نظام طبيعي لأنه نظام عقلي ونظرا للتماهي بين نظام العقل ونظام الطبيعة بل أيضا نظام الوحي.
5
كما أن علم الحساب يجمع بين النظر والعمل. فالعنوان الكامل هو «أنواع الأعداد وطرائف من الأعمال». ويتحقق الحساب العملي في بيوت الشطرنج. الرسالة تجميع من القدماء وإضافة من المحدثين، تعبر عن سمة التأليف في هذا العصر، تمثل القدماء وتجاوز المحدثين. هي إبداع خالص لأنها تجاوزت الرافدين، وبنت الحساب اعتمادا على العقل الخالص. ويبدأ بالبسملة وينتهي بالحمدلة كالعادة والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين، وما بينهما دعاء للسلطان، مولانا سيف الدولة.