ويظهر الطب كجزء من الموروث، واليهود جزء من الأمة، ورسالة من الأستاذ إلى التلميذ. كما يظهر الفارابي المؤلف المستقل وليس فقط شارح أرسطو. ويظهر الزرقالي مع النهايات الإيمانية مما يدل على أنه شيخ، وهو عالم الهيئة المحلي. فمن الموروث ظهر خمسة أعلام عبد الرحمن بن سيد، ابن الوافد، الرازي، بن حسداى والحسن بن الإمام في حين من الوافد اثنان أبو قراط وجالينوس. ولم يظهر أرسطو. واليهود جزء من الحضارة.
117 (4)
التأليف الإبداعي الخالص. وهو التأليف المستقل عن الوافد والموروث في آن واحد إلى حد كبير.
118 (ب) الإبداع الفلسفي الخالص
ولابن باجه (531ه) إبداعاته الفلسفية نظرا لقدرته على التركيز وبنية الموضوع اعتمادا على العقل الخالص مثل كلامه «في ماهية الشوق الطبيعي». وهو موضوع أرسطي دون أرسطو. وكلامه «في النيلوفر». وهو موضوع طبيعي علمي في أسلوب صوفي يظهر فيه اللفظ المعرب الأسطقسات. وفي كلامه «بين العقل والقوة المتخيلة واتصال العقل الإنساني بالأول» يتناول موضوع الرؤية والكهانة كمدخل شعبي للنبوة. وقد تطرق لنفس الموضوع في النفس النزوعية والوقوف على العقل الفعال وماهية الشوق الطبيعي. وينتهي بخاتمة إيمانية وإشارة إلى الصالحين الذين هداهم الله وآمنوا به وبملائكته وكتبه ورسله، وعملوا بما يرضيه فإنه يفيض عليهم بتوسط الملائكة في الرؤيا والمعجزات. وواضح التقابل المزدوج بين قدرة عالية على التنظير في الموضوع وخاتمة إيمانية صوفية دون تعارض العقل والذوق. ويكرر ابن باجه نفس الموضوع في «نظر آخر يقوى تصور ما تقدم» فهو يتعامل مع موضوعات ليس مع روافد حضارية، معتمدا على طبيعة العقل وليس على مكوناته: وفي «فيض العلم الإلهي» بالرغم من أنه الموضوع صوفي إلا أن ابن باجه يبنيه عقليا في خطاب قصير ومركز عن فيض الله من علمه على موجوداته ومخلوقاته من العلم أو العمل. وفي نظر آخر «في الواجب الوجود والممكن الوجود» يعتمد ابن باجه على العقل الخالص لإثبات أن العقول الإلهية مع الدهر لا مع الزمان في حين أن الأجرام السماوية مع الزمان لا في زمان لأنها محدثة للزمان. أما الكون والفساد فحسب الزمان. وهي ثنائية الحكماء بين واجب الوجود وممكن الوجود، ثنائية الخلود والزمان.
119
وتظهر آليات الإبداع في أفعال البيان ووصف المسار الفكري وأنماط الاعتقاد من شك وظن ويقين. ويطلب الناسخ للمؤلف رضي الله وهو يقوم بتقطيع النص الإبداعي الخالص، مع تحديد المكان، إشبيلية، والتاريخ الهجري، وقد تطول المقدمة الدينية فتغرق في الإيمانيات وتبدأ بالحمدلة والصلاة على الرسول وصحبه. ويقارن الناسخ بين الصورة والأصل، ويتعرف على الخط المنقول منه طبقا لطرق الرواية المدونة، الإجازة والمناولة، والقراءة على الشيخ وقراءة الشيخ كما هو معروف في علم أصول الفقه. ويحدد الزمان والمكان واسم الناسخ. فالإبداع النظري مشروط بالموقف التاريخي.
120 (9) نصير الدين الطوسي
ويستمر الإبداع الفلسفي الخالص في القرن السابع عند نصير الدين الطوسي (672ه) في «رسالة بقاء النفس بعد فناء الجسد» شرح الشيخ أبي عبد الله الزنجاني.
121
والنص خال من الوافد والموروث. يعتمد على العقل الخالص وقسمة الموجودات إلى حسية وعقلية بحجج عقلية وبراهين صورية لإثبات الثنائيات الشهيرة في الذهن البشري، الكم والكيف، العرض والجوهر، المكان والزمان، المرئي واللامرئي.
122
وهو التصور الذي يسهل إثبات فناء البدن وخلود النفس عليه؛ لأن البدن يقع في طرف والنفس تقع في الطرف المضاد. المتن قصير والشرح طويل. وكلاهما يخلو حتى من الموروث في اللاوعي المعرفي، القرآن والحديث وأسماء الأعلام والفرق. وتبدو زيادة التفخيم والتعظيم في الألقاب مثل الفيلسوف الكبير والفلكي الشهير الطوسي، علامة العالم، نصير الملة والدين، رسم المولى العالم الفاضل، مؤيد الدولة والدين قدوة المهندسين والعلامة الكبير والمصلح النحرير الأستاذ الشيخ الزنجاني مما يدل على بداية التقليد واحترام القدماء في نفس الوقت الذي يبلغ فيه العقل استقلاله. وينتهى النص كالعادة بسؤال الله العصمة والتوفيق لصوالح الأعمال. فالله ملهم العقل وولى الخير. منه المبدأ وإليه المعاد. وهو أعلم بحقيقة الحال.