110
ويظل الغالب على ابن باجه المنطق والطبيعيات أي العقل والواقع، الإنسان والعالم. أما الإلهيات فإنها تأتي بطريقة مباشرة في الطبيعيات مثل الوحي والله في ثلاثي بنيوي على النحو الآتي:
والمرحلة الثانية المرحلة الطبيعية وهي أكبر المراحل. تتكرر فيها بعض الموضوعات أيضا خاصة المزاج. ويتم تفصيل السماع الطبيعي في خمسة مؤلفات، والتأليف في الطب والنبات والحيوان كأجزاء من الطبيعيات. وظهور موضوعات طبية فلكية وطبيعية للتأليف المستقل مثل الصورة، والمادة، والأسطقسات، والمزاج، والأدوية المفردة، والحميات، والنيلوفر، وذكر أبقراط وجالينوس من الوافد، وذكر ابن وافد والرازي والحسن بن الإمام من الموروث، واليهود جزء من الأمة. والغريب ظهور بعض مسائل العلم المدني في المرحلة الطبيعة وهي أقرب إلى الإنسانيات والاجتماعيات.
111
المرحلة الثالثة وهي المرحلة الإلهية وهي أصغر المراحل. تتكرر بعض موضوعاتها مثل رسالة الوداع وقول يتلو رسالة الوداع، والنفس النزوعية مرتين وهو نفس عنوان ابن رشد. يغيب لفظ الإلهيات عنها ويغلب عليها الإنسانيات، النفسيات والعقليات مثل إخوان الصفا في الشرق. ومع ذلك تتداخل مع الطبيعيات في النفس والمتحرك. تخلو من أسماء الأعلام والسماء والمؤلفات. أقرب إلى الموضوعات منها إلى الأجوبة على أسئلة. لا تخلو بعض العناوين من جمال مثل «رسالة الوداع» بما يثيره من حنين وشجن وهموم قصر العمر.
112
وإذا تم تصنيف الرسائل الثلاث والعشرين طبقا للأنواع الأربعة، تمثل الوافد، وتمثل الوافد مع تنظير الموروث وقبله وبعده، وتنظير الموروث، والإبداع الخالص فإننا نجد الآتي: (1)
تمثل الوافد (رسالتان) لأن التمثل كان قد تم من قبل منذ الكندي والفارابي وابن سينا. (2)
تمثل الوافد وتنظير الموروث (اثنتا عشرة رسالة)، قمة التأليف، المزدوج. (3)
تنظير الموروث (رسالتان)، فقد كانت تلك مهمة الكلام والتصوف والأصول. (4)
الإبداع الخالص (سبع رسائل) مما يدل على اتساع رقعة الإبداع الخالص دون إحالة إلى وافد أو موروث.
وبالنسبة لمكونات الإبداع، الوافد والموروث والواقع يمكن استنباط بعض الملاحظات العامة: (1)
الوافد أكثر واليوناني أقل في حين أن الموروث أقل والعربي أكثر في مرحلة الإبداع. (2)
في القسم الأول الوافد أكثر (منطق ورياضة وطبيعة) وفي القسم الثاني الموروث أكثر (عقليات وإلهيات). (3)
القسم الأول أقرب إلى النقل، والقسم الثاني أقرب إلى الإبداع. (4)
القسم الأول كما أطول من الثاني. فالنقل إسهاب، والإبداع تركيز. (5)
الرسائل في القسم الأول أطول، وفي الثاني أقصر.
113 (6)
ظهور الموروث في الجزء الثاني أكثر من الجزء الأول مما يدل على ارتباط الإبداع بالموروث.
ومن ثم يمكن توزيع مؤلفات ابن باجه على مكونات الإبداع الثلاثة كالآتي: (1)
التأليف في موضوعات الوافد وعلومه. وهو التحول من اللفظ إلى المعنى، وإعادة بناء المعنى. ويلاحظ عليها تكرار بعض الأعمال والتأليف فيها أكثر من مرة مثل: المزاج، والنفس النزوعية. ولا توجد عناوين بل موضوعات أي الذهاب إلى الشيء، الأمر وفي نفسه مباشرة.
114 (2)
التأليف في الوافد من خلال الموروث (التراكم الفلسفي). وهو التأليف في الوافد بعد أن تم تحوله إلى موروث على أيدي الحكماء المسلمين خاصة الفارابي. ويظهر نفس الشيء بتحليل فهارس المؤلفات.
115
ويظهر الفارابي المنطقي، ويتقدم شرح إيساغوجي أي المدخل أو الفصول، كتاب واحد له ستة شروح بالإضافة إلى قول سابع على كتاب العبارة.
116 (3)
التأليف في الموروث. وهو التنظير له حتى يكون على مستوى تنظير الوافد، في إبانة فضل عبد الرحمن بن سيد والزرقالة إبراهيم بن يحيى الأندلسي، وجعفر بن يوسف بن حسداي وابن وافد، والرازي، وأبو الحسن الإمام. فقد ارتبط بمعاصريه، لا فرق بين حياتهم وفكرهم أو بين حياته وفكره في سيرة ذاتية تتخلل مؤلفاته. فالارتباط بالموروث قد ارتبط بالوافد منذ المرحلة الأولى.