تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

105

وتذكر مخطوطة برلين أربعا وعشرين رسالة، تقوم على بيان القصد وتوضيح الهدف من كل رسالة، وتكشف عن وحدة العمل الفلسفي كله إذ تؤدي كل رسالة إلى السابقة أو اللاحقة، وتخاطب القارئ لتسهل عليه فهمه. فالعمل رسالة بين المؤلف والقارئ. كما تكشف عن البعد الديني صراحة كما هو الحال في نهاية «رسالة الدوام»، ولذلك في خلق الأشياء بالدوام هو الله عز وجل وهو «معطى الدوام». كما تبدأ بالدعاء للقارئ. ويكمل ابن باجه عملية إيضاح جالينوس لأبو قراط، مع إحساس بهموم قصر العمر وبالوعي التاريخي يذكر المتقدمين ويلاحظ أنها كلها في الطبيعيات، وأن السماع رسالة واحدة، والمزاج رسالتان، والحيوان رسالتان، مرة في الموضوع ومرة في المعنى، وأن العقل رسالتان، وأن هناك بعض الموضوعات المتناثرة تحت عنوان فنون شتى، وأن رسالتين فقط يحملان أسماء أعلام في العنوان (الإسكندر وأرسطو). وفي مخطوط الإسكوريال يضم خمس مقالات في المنطق بينما يضم مخطوط طشقند أربع مقالات في الطبيعيات.

106

وما مقياس تقسيم الرسائل الثلاث والعشرين إلى قسمين، الأول إحدى عشرة رسالة والثاني اثنتا عشرة رسالة؟ وكل العناوين من الناشر باستثناء العنوانين في القسم الأول مما قد يظهر قصدا لم يشأ المؤلف إظهاره أو توجيه عمل نحو قصد لم يكن قصد المؤلف. وعناوين القسم الأول بها فقط ثلاثة أعلام مما يدل على غلبة الموضوعات على الأشخاص بينما القسم الثاني خلو منها كلها.

107

والقسم الأول أكبر من الثاني.

108

وأطول رسائل القسم الأول في الوحدة والواحد «وأصغرها» ومن كلامه في الألحان. وأطول رسائل القسم الثاني «من كلامه ارتياض في تصور القوة الناطقة» وأصغرها: ومن كلامه بين العقل والقوة المخيلة واتصال العقل الإنساني بالأول، نظر آخر فيض العلم الإلهي، ومن كلامه في العلم الإنساني والعقول الثواني والعلم الإلهي، في تراتب العقول وظهورها. القسم الأول يغلب عليه المنطق والطبيعيات، والثاني يغلب عليه العقليات ممثلة في نظرية الاتصال وهي ما تعادل الإلهيات. أما الإلهيات بمعنى المحرك الأول ففي الطبيعيات. وبالإضافة إلى الثلاث والعشرين رسالة هناك سبع عشرة رسالة أخرى فيكون مجموع المعروف من أعمال ابن باجه أربعين من سبع وخمسين رسالة، أكثر من الثلثين مما يسمح بإصدار حكم على مجمل فلسفته.

والأفضل الحرص على وحدة كل عمل ومعرفة جدل الوافد والموروث وآليات التأليف بالرغم مما يوقع ذلك في التكرار بدلا من الاختراق العرضي لها كلها فتجمع الوافد معا والموروث معا وآليات التأليف معا مما يساعد على إصدار الحكم على ابن باجه ولكنه لا يكشف عن آليات التأليف.

ويمكن تصنيف أعمال ابن باجه طبقا لثلاث مراحل في حياته. الأولى يغلب عليها الأعمال المنطقية، والثانية ويغلب عليها الأعمال الطبيعية، والثالثة يغلب عليها الأعمال الإلهية، وكأن أجزاء الحكمة الثلاثة، المنطق والطبيعيات والإلهيات تعبر عن مراحل العمر. ومع ذلك لا يوجد ضمان أنها ألفت جميعا في مرحلة الشباب، بالإضافة إلى صعوبة تحديدها. وهل تدل هذه المراحل على تطور طبيعي أم أنها المصادفة التي جعلت مراحل العمر الثلاث تطابق أقسام الحكمة الثلاثة. ويلاحظ التأليف في الوافد أو الموروث في المرحلة الأولى، والإبداع في المرحلة الثالثة، والثانية متوسطة بين النقل والإبداع.

109

ويلاحظ على مجموعة المرحلة الأولى البداية بالرياضة والمنطق، ودخول الموسيقى والفلك ضمن الرياضيات. ويغيب الوافد، ويظهر الوافد الموروث أو الموروث وحده. كما يظهر تكرار التعليق على بعض الكتب مثل المقولات مرتين ولواحق المقولات، والعبارة مرتين وكتاب العبارة، والقياس، وارتياض في كتاب التحليل، والبرهان مرتين، والمدخل والفصول وإيساغوجي. ويغيب منطق الظن مع أنه شاعر ويحضر منطق اليقين، وهو ما أكمله ابن رشد. ويصعب تصنيف «في ماهية الشوق الطبيعي» في الإنسانيات أو النفسانيات أم الطبيعيات في المرحلة الرياضية المنطقية الأولى بالرغم من الحديث عن الأسباب الأربعة في إطار منطق البرهان.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٥٥