82
وهناك صورة أخرى لابن باجه من تلميذه ابن الإمام بعيدا عن السلطة مما يدل على قدرة المؤرخين على خلق نماذج تتساوى فيها البطولة مع الخيانة، الإيمان مع الكفر. فعند ابن الإمام ابن باجه ثاقب الذهن، لطيف القوص على المعاني الجليلة الشريفة، أعجوبة دهره، ونادرة الفلك في زمانه. استطاع توضيح لقب الفلسفة الواردة إلى الأندلس، بل فاق ابن حزم ومالك بن وهيب، وكلاهما من إشبيلية. بالرغم من ترك مالك لها إلى العلوم الشرعية. ربما كان مشروع ابن باجه إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الأندلس، إحياء الفلسفة وهو ما حاول ابن رشد استكماله من بعده. وهو ما يحاول مشروع «التراث والتجديد» استكماله بعدهما. فأي الصورتين أحق وأصدق لابن باجه. صورة ابن خلكان أم صورة ابن الإمام؟
ويمثل ابن باجه وحدة المعرفة الممثلة في علوم الحكمة. كما هو الحال في القرآن. فهو فيلسوف وشاعر يجمع بين الحكمة والأدب مثل ابن حزم والفقهاء. فالأدب جزء من الفلسفة ويجمع بينهما الرياضيات والمنطق والطبيعيات والإلهيات والإنسانيات بما في ذلك الموسيقى والفلك كجزء من علوم الحكمة. لم يأخذ موقف محايدا من العلم أو أسطوريا من العالم بل موقفا عقلانيا من الإنسان والطبيعة ضد خرافات العجائز، والعقل النظري أو العقل العملي معها، في المعرفة والأخلاق.
83
كان من المقلين في التأليف بالرغم من قوائم مصنفاته بالعشرات. المنشور له حوالي أربعون مقالا وكتابا ومن ثم فهو ليس فيلسوفا ثانويا. ويمكن الحكم عليه عن مؤلفاته المنشورة التي تبلع مجموع ما يذكر له من مصنفات ومجموعها حوالي سبع وخمسين مصنفا.
وقد كانت صورة ابن باجه في التراث ملحدا، يقول بالتعطيل ومذهب الحكماء والفلاسفة وانحلال العقيدة، وكأن الدين ضد العلم والعلوم الرياضية والفلك والعلل المباشرة، وكأن النقل ضد العقل. وقد كان المؤرخون مؤرخي السلطان.
84
لا هم لهم إلا السجع في اللغة والمزايدة في الدين. هاجمه في أكثر من ست صفحات في نهاية كتبه، يعيب عليه أنه جعل البهيمة أهوى من الإنسان، وأنه اشتغل بالعلم، وأنه ابتعد عن ظاهر القرآن تأييدا للأشعرية الحسية السلطوية. مع أن المشروع الفلسفي عند ابن باجه وابن طفيل وابن رشد بل والصوفي عند ابن عربي، والفقهي عند ابن الأزرق، والأصولي عند الشاطبي محاولة لإنقاذ الروح قبل أن يضيع الجسد، والحفاظ على الحضارة قبل أن تضيع في الأندلس. كثر حساده بعد أن حظي بمنصب الوزارة أكثر من مرة. ثم قتل بالسم، ولكنه أنجب ابن طفيل وابن رشد.
وما يهم هو نشر النصوص من ناشرين متعددين، كل منهم يؤدي دورا دون نقد كل منهم للآخر إزاحة له عن الطريق حتى يكون العالم واحدا فقط والآخرون أقل علما أو أكثر جهلا، الناجي واحد، والباقي هالكون.
85
مع أن احترام جهد السابقين واجب، والاعتراف بفضلهم سنة. والعنف معهم خاصة بدوي وقنواتي لا مبرر له وكلاهما يستحقان كل تقدير. صحيح أن النقل بلا تحقيق أو بحث في المخطوطات القديمة، غير علمي وعدم الإشارة إليها أيضا تنقصه الأمانة ومن ثم يكون البحث والتمحيص والإحالة إلى المصادر أكثر علمية وأمانة دون تعال أو ادعاء أو إزاحة الزملاء الوطن والإحلال محلهم حتى ولو كان دون نقد أو تشهير. وكل نشر وتحقيق خطوة في سبيل العلم. السابق الله فضل البداية ، واللاحق له فضل الاكمال. الهدف النشر الأول، حتى ولم يكن علميا مثل النشر الأزهري أو الهندي في الجامعة العثمانية. الغرض منه معرفة النصوص. والنشر العلمي اللاحق الغرض منه ضبطها بعد استيفاء أدوات البحث العلمي ومناهجه.
وأخطاء الناقد كثيرة كأن نقده للآخرين يتوجه إلى نفسه.
86
ولا يعرف كل نشرات ابن باجه ولا اطلع على كل المخطوطات.
87
ونماذجها.
88
وتحقيق مقدمات المستشرقين تتطلب وقتا وجهدا أكثر مما يتطلب النص نفسه، ويحول البحث العلمي إلى جدل. ويتجاوز النقد أحيانا النشر إلى القراءة التجزيئية المتعسفة، وكل قراءة تأويل تعكس نظر الباحث. كذلك تتعدد القداءات بما في ذلك القراءة الاستشراقية المصمته التاريخية الخالية من أية دلالة حضارية. وتقدير جهد السابقين ضروري فلولا السابق ما كان اللاحق، ولولا الخطأ ما كان الصواب، في جدل السلب والإيجاب.