76
يعتمد على العقل الخالص وهو مشترك بين الشعوب وليس يونانيا أو أرسطيا بالضرورة. وإذا كانت كتب أرسطو هي مادة التحليل فلأنها كانت الثقافة الفلسفية للعصر. (ب)
ورسالته «في المعاد الفلسفي» هي أيضا أقرب إلى أولوية الموروث على الوافد. وما بينها وبين الفوز الأصغر لمسكويه من تشابه لأن كليهما يشاركان في نفس النموذج الحضاري الجماعي الذي يساهم فيه كل الحكماء.
77
وقد تكون أقرب إلى الإبداع الخالص نظرا لاعتمادها على النسق العقلي والرد على الاعتراضات السبعة بأسلوب «فإن قيل». فمن الدلائل القوية إثبات اتفاق الفلسفة مع الشرع في أن مذهب الفلاسفة في هذه الأشياء موافق لما جاء به أصحاب الشرائع عليهم السلام. ويقارن مع الهند في حرق الجثث كدليل على تمايز النفس والبدن.
78 (7) بهمنيار بن المرزبان
وإذا كان ابن سينا قد وصل إلى أعلى درجة في التجريد والصمت عن مصادره فإن تلميذه بهمنيار (458ه) قد استطاع التحول إلى الإبداع الخالص في بعض رسائله مثل «ما بعد الطبيعة» و«مراتب الموجودات». (أ)
تضم رسالة «ما بعد الطبيعة» اثتي عشر فصلا: موضوع العلم، وأول الأشياء المنصورة وهو الوجود، والماهية، وصلة الماهية بالوجود، والتمييز بين الحكمة والواجب والممتنع، ومعنى المتقدم والمتأخر، والقوة والفعل، والفعل والانفعال، والتنفس وقبول المعقولات. وهو خطاب مركز للغاية يستبعد «حشو الكلام غير المفيد». ويتأسس على البرهان الداخلي وينقد الوقوع في الدور في تحديد الممكن والواجب والممتنع.
79 (ب)
وللرسالة الثانية عنوانان «مراتب الوجود» و«إثبات المفارقات وأحوالها». والعنوان الثاني شبيه بعنوان رسالة للفارابي. وتضم خمسة فصول الأول المفارقات. أربع مراتب مختلفة الحقائق: الأول الموجود الذي لا سبب له وهو واحد، والثاني العقول الفعالة وهي كثيرة بالنوع، والثالث النفوس السمائية وهي كثيرة أيضا بالنوع. والرابع النفوس الإنسانية وهي كثيرة بالأشخاص. وتتصف بأربع صفات، ليست بأجسام ولا تموت ولا تفسد، وتدرك ذواتها، ولكل منها سعادة مفارقة للمادة. والثاني البراهين على إثباتها. والثالث إثبات العقول الفعالة. والرابع إثبات النفوس السمائية، والخامس إثبات النفوس الإنسانية ومفارقتها وسعادتها. وكلها براهين عقلية مجردة أشبه بالبراهين الرياضية.
80 (8) ابن باجه
وهو أول فيلسوف في المغرب استأنف تراث الفارابي بعد هجوم الغزالي على الفلسفة والفلاسفة في المشرق. أفسح الطريق بعده لابن طفيل وابن رشد وابن خلدون بالرغم من اشتغال مالك بن وهيب وابن حزم بالفلسفة قبله، أما مالك وهيب فقد ترك الفلسفة لما طالبوا بدمه. بل ازدهرت في صقلية، ربما لأن تهافت الفلاسفة لم يصل ابن باجه. بل إنه لم يعرف من كتبه إلا «المنقذ من الضلال» أو حتى مقتطفات منه يذكرها في «رسالة الوداع». ويدل على صلة المغرب بالمشرق وجود نسخة الشيخ أبي الحسن علي بن عبد العزيز بن الإمام في مدينة قوص في مصر. فلها فضلها في حفاظ تراث المغرب، من خلال رحلة القارئ إلى الصعيد.
81
وإن رفض مقارنة ابن باجه بالفارابي (العلوي) لخصوصية عقليته هو وقوع في أخطاء تاريخية وسياسية. فإن ابن باجه إشراقي في تدبير المتوحد ورسالة الوداع ورسائله عن اتصال العقل الفعال قدر إشراقيات الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة. وسيادة التصوف في المغرب عند ابن عربي لا تقل عن سيادة التصوف في المشرق عند الغزالي. فالخصوصية المغربية تضحية بالتاريخ من أجل الجغرافيا، وبالعلم من أجل السياسة، وبالعرب والمسلمين من أجل الغرب والفرنسيس، وتعويض عن النقص أمام المشارقة بكمال المغاربة، الأندلس حضارة المسلمين شرفا وغربا فتلك بضاع ردت إلينا، والمحافظة والتقليد في المغرب وسيطرة الفقهاء لا تقل عنها في المشرق. المشرق رائد باستمرار وسباق على الغرب بالرغم من دعوة المغاربة المعاصرين للخصوصية.