26
ويتبع ابن طفيل أسلوب مخاطبة القارئ سواء بضمير المخاطب أو بضمير الغائب أو بضمير المتكلم الجمع، ومخاطبة المؤلف لنفسه مع الاعتذار له في الكشف عن الأسرار وبيان أن القصد هو تقريب الكلام إلى الأفهام على سبيل الترغيب والتشويق لدخول الطريق. بدايتها تكشف عن أنها جواب عن سؤال بأسلوب الفتاوى كما هو الحال في «فصل المقال». القارئ هو السائل، والمؤلف هو المجيب سواء كان السؤال حقيقيا بالفعل أم كان محض خيال. كما ينبه ابن طفيل القارئ حين الخروج عن الخط الرئيسي للرواية. وتصبح مخاطبة القارئ إحدى وسائل الربط بين أجزاء القصة، ويصبح المؤلف راويا والقارئ مستمعا. وتكثر هذه الانتقالات في المرحلة الخامسة وكأننا في قصة الخضر مع موسى.
27
| رابعا: ابن رشد
وتمثل مؤلفات ابن رشد الثلاثة في الكلام والفلسفة «فصل المقال»، «مناهج الأدلة»، «تهافت التهافت»، هذا النوع الأدبي، تنظير الموروث قبل تمثل الوافد سواء من حيث الشكل في تحليل المضمون وأولوية الموروث على الوافد أو من حيث المضمون والموضوع. في «فصل المقال» رد الاعتبار لوحدة الحكمة والشريعة وضرورة الاعتبار وهو النظر في علوم الحكمة والقياس الشرعي في علوم الشريعة، وفي نهايته «ضميمة في العلم الإلهي» مثل قانون التأويل في مناهج الأدلة. وفي «مناهج الأدلة» رد الاعتبار لاستعمال العقل في النقل استعمالا برهانيا ضد الاستعمال الخطابي والجدلي عند الأشاعرة وتجاوز علم الكلام كله إلى الحكمة والقول البرهاني. وفي «تهافت التهافت» رد الاعتبار للوافد دفاعا عن الحكمة ضد استبعاده أو تكفير الحكماء.
1
تأليف ابن رشد إذن تأليف ملتزم يقوم على إثبات قضية أو نفيها وليس تأليفا عارضا على الأقل من حيث الشكل كما هو الحال عند ابن سينا. يثبت «فصل المقال» الصلة بين الحكمة والشريعة. ويخلص «مناهج الأدلة» علم الكلام من براثن الأشعرية. ويدافع «تهافت التهافت» عن الفلسفة ضد هجوم الغزالي عليها، وهي في مجموعها قليلة كما ولكنها ملتزمة كيفا. وتنتظم هذه المؤلفات الثلاثة في إطار واحد، وضع النظرية في فصل المقال وتطبيقها في «مناهج الأدلة» تطهيرا من الكلام وإيجابا في «التهافت» دفاعا عن الفلسفة. ويهم معرفة تواريخ هذه المؤلفات لا لمعرفة تطور ابن رشد الفكري بل لمعرفة اهتمامات الحضارة وبواعثها من خلاله. وفي الغالب أن المؤلفات بعد الشروح. فتمثل الوافد قبل تنظير الموروث، والنقل قبل الإبداع. (1) فصل المقال
في «فصل المقال» يذكر أفلاطون ثم أرسطو والقدماء. وذكر أفلاطون من خلال المتكلمين في القول بتناهي الزمان، وهي قضية أسماء. فأفلاطون يسمي العالم محدثا أزليا لأنه متناه في الماضي وإن لم يكن متناهيا في المستقبل. وما يهم المسلمين هو التناهي في الماضي من أجل الخلق، أما التناهي في المستقبل فلا يهم نظرا للخلق وفي الثواب والعقاب والجنة والنار. وهو استمرار عرض تاريخ الفكر من خلال الخاص والمحلي، وهي قضية خلق العالم. الخاص معيار التاريخ العام، والموروث أساس قراءة الوافد.
2
ويبدو الموروث الأصيل في القرآن ثم الحديث مع ذكر البخاري محدثا، وإبراهيم نبيا.
3
وقد وردت الآيات لإثبات أن الفلسفة هي الاعتبار المذكور في القرآن واعتبار الموجودات والنظر في ملكوت السموات والأرض وخلق الإبل ورفع السماء وخلق السموات والأرض بالعقل. وقد خص الله إبراهيم بذلك، النظر في الموجودات، والنظر أو الاعتبار هو أيضا النص على وجوب استعمال القياس العقلي أو العقلي الشرعي أي النظر في جميع الموجودات واستنباط الفقيه من الآية وجوب معرفة القياس الفقهي. والأولى استنباط المعارف بالله وجوب معرفة القياس العقلي.
4
الراسخون في العلم يعلمون التأويل الجامع بين الظواهر المتعارضة، والقراءة تستلزم الوقوف بعد الله، والجواب على الأسئلة عن الموضوعات الغامضة التي لا يفهمها الجمهور مثل الروح تحال إلى الله. والأمانة هو التأويل الصحيح، الأمانة التي حملها الإنسان واشتقت منها الموجودات.