تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويبدو الإشراق من العنوان «حي بن يقظان» حي من الحياة، ويقظان أبوه. فالحياة بنت اليقظة، والحياة دون اليقظة موت، وحياة الكائن الحي بنت حياة الشعور أساسه في الوعي وليس في العضو . تلك دلالة أسماء الأعلام وليس شخصياتها المطابقة لها في الواقع أو الخيال، مثل أن يقظان هو الأب الذي تزوج سرا من الأم بعد أن رفض أخوها تزويجها للأكفاء. ذلك هو الحامل الاجتماعي، الزواج بين الأكفاء. ويمكن تفسير العنوان، الاسم بأن حي هو العقل ويقظان هو الله، والنطق من الله. وتختلف الدلالات باختلاف أعماق الفهم في الداخل وليس في الخارج.

وتبدأ القصة بتفسير كيف نشأ حي بن يقظان. هناك مذهبان في نشأة الإنسان في الكون: الأول الولادة الطبيعية التي هي منشأ توالد الإنسان من الإنسان بعد الإنسان الأول. والثاني التطور الطبيعي ونشأة الإنسان من اجتماع درجة معينة من الحرارة ودرجة معينة من الرطوبة كما هو الحال في آدم الذي خلق من طين أي الأرض ثم نفخت فيه الروح أي الحرارة. وتلك أهمية الجمع بين الطب والفلسفة، بين البدن والنفس. وقد تم التوالد الذاتي في الهند تحت خط الاستواء حيث الحرارة والمطر. ثم تتحول القصة من الجغرافيا إلى التاريخ بمجرد بدايتها، وذكر الخلاف بين المسعودي مؤرخا. خط الاستواء (جزر الهند) أعدل الأجواء وبين الفلاسفة والأطباء واعتبارهم الأعدل الإقليم الرابع ومعارضة ابن طفيل لهم وانتصاره للمسعودي. فهل صحيح ذكر المسعودي هذا التعليل أم أنه مجرد خيال لمتطلب القص؟ وهل التعليل بالنور والاستواء حقيقة أم مجازا، طبيعية أم إشراقا؟

23

وتتداخل عدة خطوط في القصة تبدو في أقسامها الأربع غير المتساوية كما وغير المتسقة كيفا. أولا، الافتتاحية الدينية التي توحي بالجو الديني العام الذي كتبت فيه القصة، ثانيا، تاريخ الفلسفة الإسلامية مع ذكر أسماء الحكماء وأعمالهم، ثالثا نشأة حي بن يقظان وعرض المذهبين، الخلق والتولد الطبيعي، رابعا التعليم الفلسفي والرقي الروحي حتى سن الثالثة والستين، عمر آخر الأنبياء. يبدأ الوعي الفلسفي في السابعة ويكتمل في الخمسين. وأطول سنوات العمر كشف الخامسة والثلاثين. وتوجد ست مراحل للعمر، سنوات الحسم فيها الثانية، والسابعة، والحادية والعشرون، والثامنة والعشرون، والخامسة والثلاثون، والخمسون. وتكشف الرواية بعد الخلق أو التولد الذاتي وكلاهما من الوحي والطبيعة عن مراحل الوعي بالذات وبالعالم عن تقليد الإنسان للأصوات ونشأة اللغة، وتسخير العقل في فهم الطبيعة، واكتشاف الموت، والنار والطاقة، والسمك، والجهات الأربع، والروح والنفس، والأبعاد الثلاثة. والإنسان في المعرفة متوحد بالطبع، وفي المجتمع مدني بالطبع. يعرف حي الحقيقة بمفرده، يعبر عنها ويبلغ بها ويؤسسها إلى آخر. ويكتشف الشريعة أيضا بالعقل مثل الصوم، فقد صام أربعين يوما.

24

وتقوم الرواية على شخصية واحدة، حي. ثم يظهر أبسال (الباطن) رجلا هاربا من سلامان (الظاهر). وهو أول تحول دلالي من اليونان إلى المسلمين، من قصة سلامان وأبسال، ثنائي الرجل والمرأة إلى ثنائي الظاهر والباطن، الشخصية الأولى هي المحورية والثانية هامشية. ولا توجد شخصية نسائية كما هو الحال في الأصل اليوناني بل توجد شخصيتان حيوانيتان، الظبية أم حي، والغراب الذي تعلم منه دفن الموتى. الشخصية الأولى واحدة، مع الحيوانات، وسط الطبيعة ثم يظهر أبسال وسلامان.

25

وتتداخل عدة خطوط روائية وتتمايز، تتواصل وتنقطع. فمنذ البداية يخرج ابن طفيل عن الموضوع إلى الطبيعيات متنقلا من التاريخ إلى الجغرافيا. يضع رواية داخل رواية، التولد الذاتي والخلق داخل حي. ثم يترك التولد الذاتي والخط الروائي ويعود إلى الطبيعيات من جديد ثم تعود القصة إلى وصف استغاثة الطفل لجوعه بعد التولد الذاتي. ثم تأتي فقرة في التشريح والطب بمناسبة التولد الذاتي بعد التاريخ والجغرافيا. ويتم الخروج عن الخط الروائي ويرد ابن طفيل على تعجب حي من الشرح المادي وتنبيهه إلى تغير الناس والزمان وأنهم لم يعودوا أصحاب الفطر الفائقة والأذهان الثاقبة والنفوس الحازمة بل أصبحوا من ذوي البلادة والنقص وسوء الرأي وضعف الحزم. ويتضح الربط المفتعل بين أجزاء القصة خاصة في البداية وكثرة تطويع الخط الروائي باستطراد، وتذكر ابن طفيل بضرورة العودة إلى الخط الروائي الأصلي ورفض الاستطراد بالرغم من أهميته. وأحيانا تكون الانتقالات للتذكير بما فات والتنبيه على الحاضر والوعد بما سيأتي في المستقبل تذكيرا بالمسار الروائي كله، وربطا للأجزاء بعضها بالبعض. وأحيانا تكون عبارات الربط البيان والتوضيح والشرح والتفصيل.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٤