والموجود بالذات هو الباري تعالى هو المحيط بالموجودات كلها. يفيض على العقل الكلي أي القلم الصور العقلية أي الأمر. وتوجد هذه الصور في جوهر النفس أي اللوح بحسب التجزيء والتكثر دون أن تفسد. فهي متناهية من جهة ولا متناهية من جهة. هو مبدع العقل، وخالق النفس، ومسخر الطبيعة، ومولد الأكوان. ليس كالعقل أو النفس أو الطبيعة أو الجسم أو العرض أو الصورة العقلية أو الأكوان الطبيعية أو المدركات الوهمية. وليس مادة أو صورة أو قوة أو نهاية. ليس له نظر ولا شبيه أو شكل أو مثل، حق محض، وإني محض، وخير، وتمام محض. وهو محدث العالم، مدبر الأشياء كلها. وهو الغني الأكبر لمن له الخلق والأمر، فوق التمام ولا يوصف بالنقص. يفيض بالخير، والمدبر للكل. هو الموجد للكل، معطي الحياة.
والتراكيب القويمة من الناس معتقدة كلها بإنية الصانع بالرغم من اختلافات العقائد بين الوجود الدهري والزماني والوجود الروحاني والجسماني والوجود الوحداني والمتكثر. والجواهر على الحقيقة هي الصور وليس المواد. وهي المؤدية للأفعال على الحقيقة. وهي إما إلهية أو صناعية أو طبيعية. وكل جوهر قائم بذات الموجد فإن حصوله يكون من النقض إلى الكمال ولو لم يكن العقل الإنسي جوهرا لما كان قابلا للعلم والحكمة أو مفارقة المادة.
والموجود بالإبداع هو القلم، وهو العقل الكلي وهو جوهر لا يتجزأ. ليس بجسم ولا عظم ولا زمان ولا تجزيء. إنما يتعرض للانفصال. يتصور الأشياء الحسية لا كما تدركها الحواس، بنوع جوهر نفسه. ويتصور الأعراض الجسمانية لا بعللها بل بالقوة الإلهية فيه وبفضيلتها. وبكماله يستفيد الفرقان من أعلى المتمم له، الأحد الحق. يعلمه لأنه سبب وجوده وكماله. ويحيط بالأكوان الطبيعية وبذات الطبيعة وبالمستولي على الطبيعة أي النفس بجوهريته لا بقوة قائمة به. هو جوهر مدبر للنفس وهي مستجيبة له. جوهره أن يكون مملوءا بالصور العقلية التي هي أكمل في العقول الأولى عنها في العقول الثواني. منها عقل إلهي وهي عقول صفوة البشر أرباب الشرائع والأنبياء، ومنها عقل فحسب يقبل الصور بواسطة العقول الأولى مثل عقول الأئمة الراشدين. كل عقل يعقل ذاته بالفعل فيصبح عقلا وعاقلا ومعقولا.
والموجود بالخلق هو العرش واللوح. وهي النفس الكلية التي تتسم بثلاث خواص: إلهية لتدبيرها الطبيعة، وعقلية لأنها تعلم الأشياء بحقائقها، وذاتية لأنها تعطي الأجسام صورة ونسيما أي حياة على الكمال. منها نفوس عقلية لأنها متعلقة بالعقل، ومنها نفوس فقط لا تتجاوز الحس. والقلم واللوح يوصفان بالوحدانية من أعلى وحملة العرش بالكثرة من أسفل وهم ثمانية. وجوهر النفس ثلاثي، اثنان للعقل والثالث كمال أول لجسم طبيعي إلى ذي حياة بالقوة، وهو تعريف وافد تحول إلى تصور عقلي خالص. والنفس ذات وجود وعقل وحياة. والنفس من جهة تكوينها واقعة تحت الزمان، ومن جهة تكاملها بالعقل واقعة تحت الدهر.
والموجود بالتسخير الأفلاك الدائرة والأجرام الأولية. وهو أقل المستويات الأربعة تحليلا وعرضا لأنه خارج الواحد والعقل والنفس والطبيعة. الأجرام العلوية جواهر وديمومتها في الزمان، تسخيرية، وكمالها في الصور الموجودة، بثرواتها في حيز الدهر، وبأفعالها في حيز الزمان. أما الجواهر السفلية التي لا ديمومة لها في الزمان وهي التوليدية فتتعلق مدتها بالأجرام العالية. فالدوام نوعان: دهري وزماني. الأول ثابت، والثاني زائل.
والموجود بالتوليد جميع ما يتكون من الأسطقسات الأربعة. ومن الطبيعة ما هي نفسانية لأنها تخضع لتدبير الأنفس ومنها ما هي طبيعية فقط. إذا اجتمعت قواها أدت أفعالا عظيمة، وإذا تفرقت انحلت وضعفت. والطبيعة رباعية. والقوى الطبيعية في الجوهر الإنسي كالأساس للحيوانية، وهي المغذية والمنمية والمولدة للمثل. وتشمل الحيوانية الحساسة والمتخيلة والمتكلفة للرياضة. وهي اضطرارية في الإنسان أو شبيهة بالاضطرارية. وتتكامل بالطبع في الحيوان. والتعبيرات الشائعة «كبير النفس» صغير النفس تعبر عن حقيقة النفس وعامة عند كل الأمم والشعوب، وكذلك «ذكي النفس» «بليد النفس» «شره النفس» «عفيف النفس».