تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

والطريق إلى السيطرة على النفس الغضبية هو تدبر أحوال الذين يسايرونها وسفههم كما يفعل الخدم والعبيد. فالأحرار أكثر قدرة على السيطرة على النفس الغضبية من العبيد. فمعايير الاختلاف في الأخلاق ما زالت إما الرئاسة أو العبودية بالإضافة إلى تخيل الإنسان نفسه أنه هو المجني عليه من الغضب. وعلى الغاضب تجنب حمل السلاح، وأماكن الفتن، ومواضع الحروب، ومجالسة الأشرار، ومعاشرة السفهاء، وتجنب السكر، واستعمال الفكر وسيطرة النفس الناطقة وتقويتها بالعلوم العقلية، والنظر في كتب الأخلاق والسياسات، والارتياض بعلوم الحقائق، ومجالسة أهل العلم، وإلا فمجاهدة النفس والتخلص من الحسد والحقد والخبث.

18

فإذا ما تم الارتياض وتحقق الإنسان بالأخلاق، تصفية النفس من الرذائل وتحليتها بالفضائل، ظهر الإنسان التام أي الإنسان الكامل بتعبير الصوفية، وهو الإنسان الذي لم تفته فضيلة ولم تشنعه رذيلة فكان أشبه بالملائكة منه بالناس. ويحتفظ هذا الكمال بالنظر في العلوم الحقيقية، محاطا بأهل العلم، معتدلا في سلوكه، وتجاوز الشهوة والغضب، ومواساة الإخوان متعودا على محبة الناس، وأن يكون برا فاضلا حليما وقورا خاصة إذا كان من الرؤساء محبا للكمال.

19

فإذا ما وصل إليه كان أحق الناس بالرياسة. ولا يمكن ستر العيوب ولا يجب تتبعها حتى يظل الإنسان جميل الذكر مخلدا.

يقوم «تهذيب الأخلاق» على العقل الخالص وهو مناط الإبداع، والاستدلال والاتساق الداخلي والحسن والقبح العقليين. كما يقوم في نفس الوقت على التجربة الإنسانية والطبيعة والفطرة والخلق الخير. هذه المثاليات الأخلاقية تحويل دلالي للإلهيات الغائبة تماما؛ إذ يمكن إقامة أخلاق مستقلة عن الدين، بلا إلزام ولا جزاء، ولا عقائد ولا شعائر، أخلاق إنسانية عامة لا تمايز فيها بين الأديان. تظهر فيها روح الفارابي. فقد كان يحيى بن عدي تلميذه خاصة في الرئاسة الفاضلة وكمال الأوصاف. قد يغلب عليه التكرار، ووضع ما يجب أن يكون دون وصف ما هو كائن. ويكون التحدي هو: ومن الذي سيربط الجرس في رقبة القط؟ (4) أبو الحسن العامري

وفي «الفصول في المعالم الإلهية» للعامري (381ه) يغيب الوافد والموروث على حد سواء باستثناء اللفظ المعرب «الأسطقسات». وتضم عشرين فصلا متداخلة حول المعاني الذاتية في جواهر الموجودات وتكون أسبق منها كسبق الماهية على الوجود.

20

ومراتب الأشياء في حقيقة الوجود خمس: الأول موجود بالذات فوق الدهر وقبله، والثاني موجود بالإبداع مع الدهر وقرينه، والثالث موجود بالخلق بعد الدهر وقبل الزمان، والرابع موجود بالتسخير مع الزمان وقرينه ويعني التسخير الطبع، والخامس موجود بالتوليد بعد الزمان وتلوه. ويعني التوليد التكوين. الأول هو الباري والثاني التعلم والأمر. والثالث العرش واللوح. والرابع الأفلاك الدائرة والأجرام الأولية. والخامس الأسطقسات الأربعة. وبلغة الفلاسفة يسمى القلم العقل الكلي، والأمر الصور الكلية، واللوح النفس الكلية، والعرش الفلك المستقيم وفلك الأفلاك. وهنا يبدو تكوين الخطاب الإبداعي الخالص من خلال التشكل الكاذب، التعبير عن مضمون الموروث بلغة الوافد في خطاب عقلي تجريدي، قادر على الجمع بين الخطابين في خطاب عقلي واحد يقوم على الاستدلال والاتساق المنطقي، والانتقال من المقدمات إلى النتائج، مع استعمال أفعال مثل «فقد ظهر». وللعامري موقف خاص وليس مجرد عارض تصور موجود، يختلف ويتفق معه. لذلك يقول أحيانا «أما أنا فأرى أن». وهي نوع من المثاليات العقلية تضع الوجود على مراتب، وتجعل للأعلى القوة والسيطرة على الأدنى كما هو معروف في نظرية الفيض معرفيا ووجوديا وأخلاقيا، دون أن تكون بالضرورة «أفلاطونية محدثة»، فالداخل لا يحال إلى الخارج، والإبداع لا يرجع إلى النقل. هو التوحيد الإشراقي الذي يجمع بين العقل والذوق، بين المعرفة والوجود.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٤٥