تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتتخلل الفقرات العبارات الإيمانية مثل: والله أعلم، والله الموفق للصواب. كما تظهر الصفات الإلهية بالإشارة إلى الواحد الحق مثل «جل جلاله»، «عز اسمه» وتنتهي المقالة بحمد الله ومنه وجميل صنعه والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين وصحبه الأكرمين والسلام إلى يوم الدين. (5) ابن سينا

ولما كان كل فيلسوف يمثل مرحلة الانتقال من النقل إلى الإبداع، فالنقل لديه ليس الترجمة أو التعليق بل الشرح أو التلخيص أو العرض أو التأليف؟ وبالتالي لزم في كل فيلسوف الآتي: (أ)

نسبة الشرح والتلخيص إلى نسبة التأليف لمعرفة المحور الغالب عليه وعلى الحضارة ككل انتقالا من مرحلة النقل إلى مرحلة الإبداع. (ب)

في مرحلة الشرح والتلخيص معرفة نسبة المنطق إلى الطبيعيات إلى الإلهيات ووضع الآثار العلوية بين الطبيعيات والإلهيات، والنبات والحيوان مع الطبيعيات والنفس مع الإلهيات لمعرفة المحور الغالب عليه، فكر منطقي أو علمي أو ميتافيزيقي. (ج)

ما هي موضوعات التأليف هل هي مرتبطة بمرحلة النقل مثل العرض والتأليف في الوافد أم بمرحلة الإبداع والتأليف في الموروث أو التأليف المستقل الذي يجمع بين الوافد والموروث أو التأليف الخالص الذي يكون أقرب إلى رؤية الموضوعات ذاتها دون نصوص أي التنظير المباشر للواقع؟ (د)

نسبة نصوص الفيلسوف الضائعة بالنسبة للموجود منها، ونسبة المخطوط للمطبوع لمعرفة إلى أي حد يمكن تعميم الأحكام على الفيلسوف.

والتأليف مرحلة طبيعية بعد الترجمة والشرح والتلخيص، الشيء وتمدده وتقلصه حتى يقضى على الشيء ويتم تفتيته كلية وتبخيره والقضاء عليه. بعد ملأ الشعور بالنقل يتم العطاء بالتأليف والتحول من الشعور القابل إلى الشعور المعطي. الترجمة مرحلة محدودة للوعي الفردي والوعي الحضاري تنتهي تلقائيا بعد التعليق والشرح والتلخيص. والاستمرار في النقل إجهاد وموت في حين أن الانتقال من النقل إلى الإبداع استمرار وحياة. قراءة الترجمة أصعب على النفس وأشق على الذهن من قراءة التأليف. ولولا التعليق لكانت قراءة الترجمة غير دالة إلا من حيث إعادة التجربة الحضارية الأولى، الاحتواء والتمثل والاكتمال، الترجمة وسيلة وليست غاية، مقدمة وليست نهاية، طريق وليست هدفا، بدن وليس روحا.

كان من الطبيعي ألا يكون الكندي (252ه) شارحا لأنه سابق على العصر الذهبي للترجمة وهو القرن الثالث. وهذا يدل على أن التأليف ليس بالضرورة مرتبطا بالترجمة والتعليق والشرح والتلخيص والعرض والتأليف في الوافد وهي المراحل السابقة على الإبداع. فإبداع الكندي مستقل عن النقل مثل إبداع الشافعي علم الأصول في الرسالة. كان محاولة للتنظير المباشر للواقع قبل الشروح. كان الواقع علميا في مجتمع علمي.

21

لقد اشتغل الكندي بالترجمة والشروح بعض الوقت ولكن إبداعه مستقل عما اشتغل به وكانت مدرسته معتنية بالترجمة والشرح ولكن الغالب عليها كان الفكر العلمي مثل اتجاه الكندي نحو العلوم والصناعات أكثر من اتجاهه نحو الفلسفات، لقد تحول الفكر الإسلامي من الفكر العلمي الأول عند الكندي والرازي إلى الفكر الفلسفي بعد ازدهار عصر الترجمة في القرن الثالث.

22

أما الفارابي (339ه) فكان هو نموذج العارض الذي تجاوز الشرح والتلخيص الذي قام به المترجمون من خلال التعليقات. قدم معاني النصوص بسهولة ويسر حتى يسهل التعامل معها بعد ذلك عمليا داخل الحضارة. ومن هنا أتى لقب «المعلم الثاني» وهو ليس بأقل فضلا من الأول أو تلميذا له بل لأنه علم المسلمين الفلسفة كمعان وموضوعات مستقلة. وكثيرا ما يكون المعلم الثاني أفضل من المعلم الأول لأنه هو الذي يعطيه معناه ويبرزه للناس. وبهذا المعنى يكون سقراط هو المعلم الأول وأفلاطون المعلم الثاني. ولولا أفلاطون لما كان سقراط.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٤٧