ولما كانت الفلسفة تطويرا لعلم الكلام فإن بعض الموضوعات الكلامية ما زالت مطروقة في الفلسفة مثل الاستطاعة عند الكندي والكسب عند يحيى بن عدي. ففي رسالة «في نقض الحجج التي أنفذها إليه في نصرة قول القائلين أن الأفعال خلق الله واكتساب للعباد» ليحيى بن عدي، الموجهة إلى أبي عمر السعدي بن سعيد الزيني ينقض يحيى باسم الفلسفة نظرية الكسب الأشعري التي سادت بعد أن خرج الأشعري عن خلق الأفعال عند المعتزلة. وكعادة الفلسفة لا يعتمد يحيى على أي من الحجج النقلية كما هو الحال في علم الكلام بل يعتمد على الحجج العقلية وحدها. وكما كانت المشكلة من الموروث الكلامي فلم يظهر الوافد على الإطلاق. ويستعمل يحيى طريق منطق الخلف، إثبات استحالة الكسب لأنه نسبة أفعال العباد إلى الله. واستحالة الجبر لنفس السبب فلم يبق إلا خلق الأفعال للعباد. ويصل يحيى لذلك عن طريق القسمة العقلية والانتهاء مسبقا إلى ثلاث نظريات. يعرض أولا حجة الخصم ثم يرد عليها ولا يذكر أي اسم من أسماء المتكلمين، أشاعرة أو معتزلة، مع تقابل «يقول ... أقول». ويستعمل منهج تحليل الألفاظ مثل الفعل والخلق والاكتساب والعين. ويظهر منطق الاستدلال، والانتقال من المقدمات إلى النتائج، وإحالة اللاحق إلى السابق. والبداية بالبسملة والنهاية بالحمدلة مع الدعوة بالتوفيق وإعطاء الله صفات الحكمة مثل: ذو الجود والحكمة والمولى ولي العدل واهب العقل.
12 (ه)
وفي «تهذيب الأخلاق» واضح أن يحيى بن عدي (364ه) قد ألف في كل الأشكال الأدبية منذ تمثل الوافد حتى الإبداع الخالص، وأن له فضلا كبيرا منذ الترجمة والتلخيص والشرح. فكتابه «تهذيب الأخلاق» نموذج الإبداع الخالص، لا يحال فيه إلى وافد أو موروث، يوناني أو نصراني، اسم علم أو نص.
13
وهو نفس عنوان كتاب مسكويه الشهير بعد ما يقرب من نصف قرن.
ويتضمن الكتاب مقدمة وخاتمة وثمانية أقسام.
14
وفي المقدمة تظهر النزعة الإنسانية منذ البداية وارتباط الأخلاق بالإنسان. والإنسان هو قدرته على التمييز والرغبة في الكمال. ثم يتم تحديد الأخلاق ابتداء من تحليل قوى النفس إلى ثلاث: الشهوية والغضبية والعاقلة. وهي قسمة أفلاطون بعد أن قبلها العقل الخالص ولم تعد من الوافد. فالأخلاق فطرية مغروزة في النفس، فضائل ورذائل.
فعلة اختلاف الأخلاق هي تعدد قوى النفس. النفس الشهوانية مشتركة بين الإنسان والحيوان وقوامها اللذة. والنفس الغضبية أيضا مشتركة بين الإنسان والحيوان وقوامها الشجاعة والقوة والنفس الناطقة خاصة بالإنسان وحده وقوامها التمييز وإدراك قائمة بالأخلاق الحسنة، وأخرى بالرديئة، وهي الفضائل والرذائل المعروفة عند الأخلاقيين في كل حضارة كماهيات عقلية مستقلة عن ممارساتها العملية وبيئاتها الاجتماعية وأطرها الحضارية.
15
إنما الخلاف الوحيد في الرئاسة إذ تتميز هذه الفضائل والرذائل بين الرئيس والمرءوس. والرئاسة قديما هي الطبقة حديثا. فالقناعة للمرءوس وليست للرئيس، للصغير وليست للكبير. وقد تختلف الفضائل طبقا للرئاسة في الوجوب والندب. فالسخاء عند المرءوس مندوب وعند الرئيس واجب. وقد يكون للملوك فضائل أخص بهم مثل عظم الهمة. والرذائل قد تكون للصغار وليست للرؤساء مثل الشره الذي يعين الملوك على أداء الأعباء. وقد يكون بعضها أقبح عند الملوك مثل السفه والبخل والجبن، والأهم هو تقرير نسبية الأخلاق بالإضافة إلى الرئاسة. فالأخلاق قد تكون في بعض الناس فضيلة وفي بعضهم رذيلة مثل حب الكرامة، فضيلة عند الأحداث وأقل من ذلك عند الكبار، والإكرام والتبجيل، وحب الزينة، والمجازاة على المدح، والزهد.
16
وبعد رصد قوائم الفضائل والرذائل على المستوى النظري يتم الانتقال إلى الوسائل العملية لتحقيق الأولى وتجنب الثانية وهو ما يسمى «تهذيب الأخلاق». فالأخلاق علم نظري وعلم عملي. لا تجتمع الفضائل في إنسان واحد ولكن قد تجتمع الرذائل فيه، والتفاضل بين الناس في الفضائل وليس في الرذائل، في الإيجاب وليس في السلب. وليس الأقل جبنا أفضل من الأكثر جبنا. والإنسان قادر على أن يهذب نفسه بنفسه وهو معنى الرياسة أن يسوس الإنسان نفسه بنفسه عن طريق التهذيب الذاتي. فالاكتساب ليس للأموال فحسب، وهو طريق الارتياض والتعود على الفضائل عن طريق تذليل النفس الشهوانية والغضبية وتهذيب النفس الناطقة والتدرج في ذلك، وطريق قمع النفس الشهوانية هو تذكر أن اللذة رذيلة في ذروة الحصول عليها والإكثار من مجالسة الزهاد والنساك والرهبان وأهل الورع والواعظين والرؤساء وأهل العلم، وإدامة النظر في كتب الأخلاق والسياسة، وتجنب السكر. ويحيى بن عدي نصراني ليس السكر بحرام في شريعته ولكنه يعبر عن الموقف الحضاري العام له. فتحريم الخمر، وهو حكم الإسلام، أقرب إلى الفضيلة من إباحته. كما يمكن الإقلال من السماع خاصة من النساء، الشابات والمتصنعات المثيرات للشهوات وهو ما يشار إليه في عصرنا بالأغاني الخليعة، والإقلال من الشبع، والتيقظ الدائم إلى العفة.