تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

ويشير ابن طفيل إلى الفارابي شارحا أرسطو وعارضا له، ومنتسبا إلى نفس التيار، وهو النظر، بضرورة تجاوزه لعدم كفايته في الإبداع الفلسفي الذي يحتاج إلى الذوق والمشاهدة. معظم مؤلفات الفارابي في المنطق بالرغم مما يذكره ابن طفيل من كتبه الأخلاقية مثل «الملة الفاضلة» و«السياسة المدنية» وشرح كتاب الأخلاق. وما ورد فيها من الفلسفة كثير الشكوك فيما يتعلق ببقاء النفوس الشريرة بعد الموت في آلام وبقاء إلى الأبد كما بين ذلك في «الملة الفاضلة». ثم عاد وقال إنها سائرة إلى العدم في «السياسة المدنية»، وأنه لا بقاء إلا للنفوس الفاضلة الكاملة. ثم بين في «شرح كتاب الأخلاق» أمر السعادة الإنسانية وأنها تكون في هذه الحياة. وكل ما سوى ذلك هذيان وخرافات عجائز بنص الفارابي دون تحديد لمكانه. لذلك أيأس الفارابي الخلق جميعا، وجعل الفاضل والشرير في رتبة واحدة بعد أن جعل مصير الكل إلى العدم. كما جعل النبوة بقوة خيالية وفضل الفلسفة عليها. فهل هذا التأويل للفارابي صحيح أم أنه قراءة ابن طفيل له؟ هل صحيح أن الفارابي تخبط في أمر المعاد وتناقض في موضوع بقاء النفس بعد الموت، وساوى بين النفوس الشريرة والنفوس الخيرة في البقاء أو الهلاك؟ وإذا كان الموضوع الغالب على الفارابي هو المنطق فكيف يكون نقد ابن طفيل له في معظمه منصبا على الأخلاق، بقاء النفس بعد الموت؟ هل قدم ابن طفيل الفارابي اللغوي المنطقي أم الإشراقي الصوفي طبقا لفلسفة ابن طفيل؟ هل يرفض ابن طفيل أن تكون النبوة من فعل القوة الخيالية وأن تكون الفلسفة تجاوزا للخيال إلى العقل ذاته؟ هل صحيح أن الفارابي أيأس الخلق جميعا وجعل الفلسفة والدين للخاصة دون العامة وأن مهمة ابن طفيل العودة إلى العامة لخلاصها؟

20

وقد استشهد ابن طفيل بعدة آيات قرآنية في المقدمة والوسط والنهاية حيث تختلط العواطف الدينية بالعواطف الأدبية.

21

يظهر السجع كإيقاع موسيقي يجمع بين الدين والأدب. فبعد البسملة والحمدلة ووصف الله بالعظم الأعظم والقدم الأقدم، والعلم الأعلم، والحكيم الأحكم، والرحيم الأرحم، والكريم الأكرم، والحليم الأحلم، تظهر آيات العلم والقلم والفضل والقصص والقلب والمشاهدة ووحدة الشهود، ووحدة الوجود ، والظاهر والباطن، والختم والطبع، وسنن الله في الكون، وتكثر الآيات أوقات الاستغراق الصوفي في المرحلة الخامسة ووقت مخاطبة العامة في المرحلة السادسة والأخيرة. كل ذلك أثناء سطوة الفقهاء الذين ينكرون مواجيد الصوفية ونظرياتهم في الحلول والاتحاد. وتظهر التعبيرات القرآنية غير المباشرة. فالقرآن إعجاز أدبي، مخزون نفسي، يفرض نفسه على الأسلوب. تغيرت الناس من سداد الرأي إلى فساده، ومن الفطر الفائقة إلى الفاسدة، ومن الكمال إلى النقص. فأصبحوا كالأنعام بل هم أضل سبيلا. ويظهر الحديث القدسي الشهير الذي يوحد بين السمع الإلهي والسمع الإنساني، والبصر الإلهي والبصر الإنساني في حالة الاتحاد. كما يظهر حديث خلق الله آدم على صورته، المرآة المزدوجة بين الله والإنسان، كل يرى الآخر ذاتا وموضوعا.

22

وتنتهي القصة بالصلاة والسلام على الرسول صاحب الخلق الطاهر والمعجز الباهر والبرهان القاهر والسيف الشاهر وكأننا في المدائح النبوية وعلى آله وصحبه والتسليم عليهم.

والأدب الصوفي أو الفلسفي الرمزي معروف قبل رواية حي بن يقظان «رسالة الطير» لابن سينا كنماذج للتصوف الفلسفي أي الفلسفة الصوفية. في الفلسفة بعض الجوانب الصوفية كما هو الحال في «الإشارات والتنبيهات» وفي التصوف بعض الجوانب الفلسفية كما هو الحال في الفلسفة الإلهية عند ابن عربي وابن سبعين مما يبين وحدة العلوم بالرغم من تمايزها، وكما اتحد الكلام بالفلسفة في علم الكلام المتأخر. ويظل التمايز في الفلسفة قائما بين تيارين، تيار عقلاني طبيعي عند الكندي والرازي وابن رشد، وتيار عقلاني إشراقي عند الفارابي وابن سينا وابن باجه وابن طفيل، ويبدو المنحى الصوفي في الإحالة إلى ضيق الألفاظ واتساع الحقيقة والتلويح والإشارة والظاهر والباطن، والمقامات والأحوال، والقلم والعقل، والمشافهة والمعاينة. لذلك يذكر ابن طفيل الهند. فآسيا موطن الحكمة المشرقية. فهو أقرب إلى البيروني منه إلى مسكويه وأنصار حكمة فارس. ولم يظهر عند القدماء أنصار حكمة الصين لبعد المكان.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٣