ولا يتعرض الإبداع الخالص إلى مواطن الإبداع. فتلك مهمة أهل الاختصاص، المناطقة والحكماء والرياضيون وعلماء الطبيعة. فالمناطقة هم الأقدر على معرفة مواطن الإبداع في المنطق العربي. والفلاسفة هم الأقدر على معرفة إبداع المسلمين في علوم الحكمة إضافة إلى التصورات القديمة للعالم الغربية اليونانية الرومانية أو الشرقية الفارسية الهندية. والرياضيون هم الأقدر، كل في ميدانه، الحساب، والهندسة، والفلك. والموسيقى على معرفة إبداعات العرب فيها بل وفي العلوم الموازية مثل الجبر، والمناظر، والحيل، والأكر المتحركة، والمنجنيق أي العلوم الرياضية التطبيقية. وعلماء الطبيعة هم الأقدر على معرفة إضافات العرب في علوم الطبيعة والكيمياء والطب والصيدلة والنبات والحيوان والمعادن.
ويمكن التطرق إلى الإبداع الخالص بعدة طرق. الأولى التتبع التاريخي للإبداع قرنا وراء قرن من عصر الترجمة الأول، فقد كان المترجمون مبدعين حتى العصر المتأخر حيث اتحد العقل بالذاكرة الواعية حفاظا على الإبداع القديم، وميزة هذه الطريقة تتبع مراحل الإبداع ومعرفة تطوره عبر العصور، والحكم على التاريخ، متى ساد النقل ومتى تحول إلى إبداع، ومتى أصبح إبداعا خالصا. وعيبها أنها تقطع ميادين الإبداع، وتنتقل من الإبداع المنطقي إلى العلمي إلى الفلسفي عبر العصور. فيتم التضحية بالعلوم لصالح التاريخ. فتتجزأ وحدة العلم لحساب النزعة «التاريخانية».
والطريقة الثانية عرض الإبداع الخالص طبقا للعلوم: المنطق، والحكمة، طبيعيات وإلهيات ونفسانيات، والعلوم الرياضية والطبيعية حتى يسهل الحكم في أي علم كان الإبداع أكثر. ويلاحظ أنه كان في العلوم الرياضية والطبيعية والذي دخل كجزء من تاريخ العلم الغربي في العصر الوسيط حيث توضع الحضارة الإسلامية طبقا للتحقيب الغربي وكأن تاريخ الغرب، القديم والوسيط والحديث، هو تاريخ العالم كله وتاريخ الحضارات السابقة على الغرب والمعاصرة له. وفي نفس الوقت عرض الإبداعات في كل علم على نحو تاريخي لمعرفة تطوره. ومن ثم الجمع بين ميزة المنهج التاريخي وفي نفس الوقت الحرص على وحدة كل علم وعدم التنقل جزئيا من علم إلى آخر.
| ثانيا: الإبداع المنطقي
(1) يحيى بن عدي
بدأ الإبداع المنطقي عند المترجمين دون انتظار مرحلة تمثل الوافد وتنظير الموروث. فالإبداع غير مشروط بالزمان. قد يكون مبكرا وقد يكون متأخرا. (أ)
مثال ذلك مقالة «في تبيين الفصل بين صناعتي المنطق الفلسفي والنحو العربي» ليحيى بن عدي (364ه)، تخلو من الوافد والموروث على حد سواء.
1
ويهدف المقال إلى تحقيق غرض وقصد وليس مجرد تجميع مادة كما هو الحال في العرض. والغرض هو الموضوع، التمييز بين المنطق الفلسفي والنحو العربي، وهو نفس موضوع المناظرة الشهيرة بين متى بن يونس وأبي سعيد السيرافي عن الصلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي.
2
ويشير يحيى بن عدي إلى نحو العرب وليس إلى منطق اليونان. ويغلب عليه مشكلة «اللفظ والمعنى». فالمنطق دلالة الألفاظ على الأمور الكلية. والنحو صناعة الألفاظ لتحريكها وتسكينها سواء كانت دالة أو غير دالة. والمنهج معرفة الحدود أي التعريفات وهي الخطوة المنطقية الأولى. ويبين تحليل أفعال البيان مسار الفكر الاستنباطي البرهان، والانتقال من المقدمات إلى النتائج. ويبدأ المقال بالبسملة ولا ينتهي بتعبيرات إيمانية. يكفي الإعلان الأول عن الجو الثقافي العام للحضارة التي ينتمي إليها بصرف النظر عن طائفته. (ب)
وفي «مقالة أن العرض ليس جنسا للتسع المقولات العرضية» له أيضا يغيب الوافد والموروث كلية، ويتم الاعتماد على العقل الخالص وحده. والموضوع مشترك بين المنطق والطبيعيات وما بعد الطبيعة، بين المقولات العشر، والجوهر والأعراض، والجوهر الأول. والمقالة أقرب إلى المنطق منها إلى الطبيعة وما بعد الطبيعة. والغاية إثبات أن العرض ليس جنسا للمقولات التسع حتى لا يقع في التصور الهرمي للأسماء الخمس مفضلا تصور المركز والمحيط، التصور الشمسي. أو التصور الدائري المركزي.