تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعتمد يحيى بن عدي على العقل الخالص وعلى منطق البرهان. لذلك يكثر استعمال أفعال البيان «ومن البين»، والاستدلال «إذا كان ذلك كذلك»، والانتهاء إلى «وذلك ما أردنا أن نبين». ولا تزيد العبارات الإيمانية عن البسملة الأولى.

3 (ج)

وفي «الحاجة إلى معرفة ماهيات الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض في معرفة البرهان» له أيضا؛ إجابة على سؤال من أبي حاتم السجستاني عن الصلة بين الأسماء الخمسة والبرهان، وهي الأسماء التي وضعها فرفوريوس وأعجب بها المسلمون لنسقها الرياضي المنطقي. القياس يحتاج إلى حد أوسط، اشتراك المحمول في المقدمتين الكبرى والصغرى. في حين أن الأسماء الخمسة أيضا متداخلة فيما بينها ومشتركة في مركز واحد. القياس يحتاج إلى مقدمتين فقط وليس إلى أسماء خمسة. البرهان في حاجة إلى طبقتين لا أكثر. ويتكلم يحيى بن عدي بضمير المتكلم المفرد. والبداية البسملة والنهاية بالحمدلة مع الدعوات للسائل وطلب التوفيق له. ويتصف الله بصفات الحكمة مثل: ذو الحكمة والجود والحول، ولي العدل، وواهب العقل.

4 (2) عمر بن سهلان الساوي

ويستمر الإبداع المنطقي من القرن الثالث عند يحيى بن عدي إلى القرن الرابع في «البصائر النصيرية في علم المنطق» لعمر بن سهلان الساوي (450ه). ويبلغ درجة عالية من التجريد بالرغم من بعض الأمثلة فيه. وتبدو أهميته في تحقيق محمد عبده له واستعماله في تدريسه في الأزهر بل تقرير تدريسه عام 1316ه ربما ليس لما فيه من قدرة على العرض النظري الخالص بل لأنه أقرب إلى العرض النسقي الواضح التقليدي التعليمي مثل منطق «الشفاء» لابن سينا على نحو مختصر ومركز.

5

وهو مثل ابن سينا في الصمت عن مصادره. وكلاهما من نفس العصر الذي بلغت فيه الحضارة الإسلامية الذروة في الإبداع الحضاري، مع أن معرفة المتقدمين شرط الإبداع. وبالرغم من التجريد إلا أن مسار الفكر واضح. ويتم تخيل الاعتراض مسبقا للرد عليه كما هو الحال في أسلوب التدوين في العلوم الإسلامية القديمة. وتدل أفعال البيان على الرغبة في التوضيح والإجابة مسبقا على تساؤلات القارئ، فهو جزء من الخطاب. ويحيل اللاحق إلى السابق والسابق إلى اللاحق تذكيرا بوحدة الاستدلال وباختصار وتركيز شديدين.

6

ويتم تحويل المنطق كله إلى منطق اليقين واستبعاد منطق الظن الجدل والخطابة والشعر، والاكتفاء بمنطق البرهان. فبعد مقدمتين عن ماهية المنطق وموضوعه يتم عرض منطق اليقين في ثلاثة عناصر، المفردات والتصور والتصديق وليست القسمة الرباعية الشهيرة بإضافة البرهان. وفي التصديق يتم عرض المفردات والحجج وموادها والبرهان والمغالطات في القياس. ويضاف تقسيم العلوم كجزء من المنطق، والتعرض لصلة المنطق بالطبيعة، وإحالته إلى الفطرة. فالإنسان الطبيعي، بفطرته، يستغني عن المنطق. يكفيه الحس والعقل والبداهات حتى إذا وقع في الخطأ ظهرت الحاجة إلى المنطق.

7

وقد تكون الفطرة تعبيرا في اللاوعي المعرفي عن الوحي الطبيعي من الموروث القديم خاصة وأنها لفظ قرآني.

8

وبالرغم من عدم وجود الوافد أو الموروث صراحة في صيغة أسماء أعلام إلا أن الوافد يبدو في بعض الألفاظ المعربة مثل قاطيغورياس، باريرمنياس دون إشارة صريحة إلى اليونان.

أما الموروث فهو الأكثر وضوحا على نحو خافت وراء التنظير العقلي الخالص. فيشار إلى أفضل المتأخرين. وهو في رأي محمد عبده ابن سينا. والتحول من الاسم إلى اللقب هو في حد ذاته انتقال من الشخص إلى الرمز، ومن الخاص إلى العام، ومن النقل إلى الإبداع. ولم يحدث ذلك مع اليونان فحسب، الانتقال من أرسطو إلى الحكيم أو المعلم الأول، ومن جالينوس إلى فاضل المتقدمين والمتأخرين، ومن سقراط إلى أحكم البشر، ومن أفلاطون إلى صاحب الأيد والنور، ومن أفلوطين إلى الشيخ اليوناني. ويستشهد بآية قرآنية واحدة

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٣٨