تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

103

وكما تبدأ الرسالة بالبسملة والحمدلة تنتهي بالصلاة على نبيه محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وأصحابه أجمعين. وتختتم الرسالة بتاريخ تأليفها ونسخها مع كل التعبيرات الإيمانية الممكنة.

104

وبالرغم من أن الطب كان وافدا في البداية منذ عصر الترجمة إلا أنه أصبح في النهاية موروثا يتم تنظيره دون الاعتماد على الوافد. ففي «أصول تركيب الأدوية» لنجيب الدين محمد بن علي بن عمر السمرقندي (ت 619ه) يغيب الوافد كلية. تقصر الفصول. ويتحول الطب إلى علم عملي في الممارسة الطبية ويتحول إلى صيدلة دون ذكر لديسقوريدس الذي انزوى إلى اللاشعور المعرفي. بل تظهر البيئة المحلية في أسماء الأدوية: الهليج البصري، والأسود الهندي، والعود هندي، والتمر هندي، والملح الهندي، والصمغ العربي، والأنطاكي، والأرمني مما يدل على انفتاح الحضارة الإسلامية شرقا إلى فارس والهند والصين، وشمالا إلى اليونان وتركيا، وغربا إلى الأندلس، وجنوبا إلى أفريقيا. وتعود أحاديث الطب النبوي إلى الظهور مثل «الحمة فيح من فيح جهنم فأبردوها بالماء». وفي التعبيرات الإيمانية الأخيرة يعبر عن الله بصفات طبية مثل الشافي والمداوي والمبرئ، ووصف الدواء بأنه إلهي إذا ما كان نافعا بالإضافة إلى التعبيرات التقليدية، وأن الله هو الموفق وأعلم بالصواب وإليه المرجع والثواب.

105

وفي «المغني في البيطرة» للملك الأشرف عمر بن يوسف القسائي يقوم تنظير الموروث على التجربة الشخصية دون الوافد اليوناني وفي صيغ مختصرة يتخللها السمع الذي يميز العصور المتأخرة. ويتصدر الخيل باقي الحيوانات نظرا لظروف البيئة العربية.

106

يبدأ بالأسباب ثم بالعلامات وينتهي بالعلاج. ولا يخلو الطب من رؤية أدبية لألوان الحيوان وطباعها أسوة بالجاحظ،

107

وبناء على إحساس قرآني بالألوان في الطبيعة.

108

أما الوافد الشرقي فقد أصبح جزءا من الموروث مثل العلامات المحمودة والعلامات المذمومة لحكماء الهند.

109

أما الموروث الأصلي فإنه يقتصر على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية دون أسماء الأعلام. ويظل التصور الإسلامي أو التوجه القرآني هو العامل الموجه لتنظير الموروث الطبي وأساسه النظري. فالحيوان خلق من أجل الإنسان، زينة للحياة الدنيا ومنافع له مثل النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة.

110

وبطبيعة الحال تكثر التعبيرات الإيمانية التي تعبر عن ازدواج الأشعرية بالتصوف في هذا العصر المتأخر خاصة الاعتماد على المشيئة الإلهية في العلاج والله تعالى أعلم.

111

| الفصل الثالث: الإبداع الخالص

| أولا: تجليات الإبداع

يعني الإبداع الخالص وجود نصوص فلسفية لا تعتمد لا على الوافد ولا على الموروث. إذ يستقل العقل بذاته ويضع نصا قائما بذاته اعتمادا على العقل الصريح، وبنية الموضوع. لم يعد النص بحاجة إلى مكونات من الخارج أو من الداخل كي يصوغ خطابه بل أصبح العقل قادرا بمكوناته الذاتية أن ينسج خطابا لا يحتاج إلى دعائم خارجية من الوافد أو من الموروث بعد أن تم تمثل الوافد وتنظير الموروث. لم يعد العقل بحاجة إلى عوامل مساعدة خارجية، «عكازين خارجيين يستند عليهما. فقد بلغ حدا من النضج والاستقلال تجعله قادرا على أن يبدع خطابه المستقل دون إحالات إلى مكوناته الخارجية. يعتمد العقل فقط على طبيعته وقدرته على بناء الموضوع ووضع المقدمات والانتهاء إلى نتائج، والربط بينهما بمنطق محكم للاستدلال.

مقياس الإبداع الخالص هنا شكلي خالص طبقا لمنهج تحليل المضمون وجدل الوافد والموروث، درءا لشبهتين. الأولى شبهة الاستشراق، أن علوم الحكمة مجرد نقل للوافد وامتداد له في الحضارة الإسلامية مع بعض التشويه والخلط وسوء الفهم والتلوين بالدين حتى أتى الغرب ورفض هذه الشروح الإسلامية على الفلسفة اليونانية، وعاد إلى الأصول اليونانية ذاتها ينهل منها ويؤسس عليها النهضة الأوروبية الحديثة. والثانية شبهة الإسلاميين الذين يرون في علوم الحكمة فلسفة إسلامية تقليدية موازية لعلم الكلام دفاعا عن العقيدة، لا فرق بين الحكماء والمتكلمين. فالله موجود، والعالم مخلوق، والنفس خالدة تنال الجزاء طبقا للأعمال.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٣٦