70
بل إنه يوجد أيضا في باقي الأشكال السابقة للعلاقة بين الوافد والموروث. ففي «الإشارات والتنبيهات» مثلا تظهر عناوين فرعية مثل «توهم وتنبيه»، «أوهام وتنبيهات».
71
ويظهر الأسلوب الإسلامي الأصولي في تخيل الاعتراض والرد عليه مسبقا حتى يمكن بناء الفكر نظريا متسقا مع نفسه. ويتم ذلك عن طريق فعل السؤال: فإن سأل سائل، أو فعل القول: فإن قال قائل. وقد يكون السؤال موجها للمؤلف، وقد يكون على العموم ليس موجها لأحد، تأكيدا للفكر الموضوعي المستقل. قد يكون القول القائل، وقد يكون الفعل مبنيا للمجهول بصرف النظر عن القائل. وهو قول متخيل لأنه بصيغة الاحتمال. ويظهر لفظ الاعتراض لبيان أن القول اعتراض وليس مجرد قول. والاعتراض أدق. كل اعتراض قول وليس كل قول اعتراضا. ولا يرد على الاعتراض إلا بعد التحقق والتيقن. وينطبق ذلك أيضا على «الإشارات والتنبيهات».
72
كما يكشف الأسلوب وطريقة التعبير أن المؤلف يصف فكره وفكر محاوره ورؤيته لمساره ووحدته ومنطقه واستدلاله. يذكر بما سبق ويخبر بما هو لاحق حتى يظهر التواصل بين مراحل الفكر والعلاقة بين المقدمات والنتائج، واتجاهه نحو غاية وقصد هو الموضوع ذاته. وتظهر عبارات الربط من أجل بيان وحدة الفكر في البداية ثم تقل عندما يبرز الموضوع. وينطبق ذلك على باقي أشكال التأليف.
73
والرسالة علاقة متبادلة بين المؤلف والقارئ وأحيانا بين الناشر والناسخ والقارئ لما كان الناشر والناسخ يتمثلان موقف المؤلف على نحو تصاعدي لاشتراكهما في نفس القضية. فالدعوات من المؤلف للقارئ بالسعادة ومديد العمر، والدعوة له بنيل الرغبات، وتحقيق الأمنيات والسعادة في الدارين وصرف المكروه ودوام السلامة. وقد تصبح مخاطبة القارئ، مناجاة له إذا كان من الصوفية مثل أبي سعيد، تنقلب إلى مناجاة الله، مرة أفقية، ومرة رأسية.
74
الفكر نفسه تجربة مشتركة بين الكاتب والقارئ وليس عملا فرديا بلا قضية أو جمهور. هذه التجربة المشتركة هي مقياس اليقين ومحك النظر ومعيار العلم. ما يقوله المؤلف يعلمه القارئ بفطرته وعن طريق السمع والرواية. وإن لم تكن لديه تجربة أو علم سابق يعطيها المؤلف إياه. دور المؤلف الزيادة في التوضيح. وشرط مشاركة الآخر فهمه وتأمله. وشرط الفهم والتأمل كبح الشهوات والتخلص من الأهواء وصفاء النية. الأخلاق شرط العلم. والطهارة تسبق المعرفة. ويقبل شك المستمع ويرد عليه، والله أعلم. وقد يأمر المؤلف القارئ بالعلم والاعتبار تنبيها له وإيقاظا لشعوره. وأحيانا يكون الأمر في صيغة مناشدة بل ومناجاة بين شقيقين طلبا للسعادة الأبدية. وينتهي الأمر بالدعاء إلى القارئ وكأنها علاقة بين شيخ ومريد، مرشد ومسترشد، وعظ في مسجد، مكافأة وجزاء، نصيحة وتناصح، وطلب الخير للاثنين، خير النصح وخير الاسترشاد بغية النجاة في الدارين. وإذا كان العمل صوفيا أدبيا فإن مخاطبة القارئ تتحول إلى مناجاة وابتهال ومناشدة بالصداقة والأخوة. وأحيانا يكون الخطاب للشخص الثالث على الإطلاق غير المحدد بل المخاطب كقضية أمة. فمن عاهد الله أن يسير بهذه السيرة وفقه الله إلى ما يتمناه. وقد يتحدث ابن سينا عن القارئ الغائب باعتباره آخر تسهيلا عليه. وأحيانا يقوم الناسخ بتقطيع نص المؤلف إلى فقرات ويصدره بقال الشيخ اشتراكا مع المؤلف في مساره مثل العلاقة بين المقرئ والمستمع.
75
وتظهر وحدة عمل ابن سينا في الإحالة إلى باقي مؤلفاته الجزئية حتى تظهر وحدة الرؤية الكلية والمذهب العام. كما يحيل الكتاب إلى آخر في نفس الموضوع كما تحيل «رسالة النفس الناطقة» إلى رسالة «معرفة النفس» على مراحل مختلفة من العمل. فقد كتب ابن سينا الثانية قبل الأولى بأربعين عاما بطريقة أهل الحكمة البحثية. فالكتابة في نفس الموضوع قد تكون بأكثر من طريقة، تمثلا للوافد أو تمثلا للوافد وتنظيرا للموروث أو تنظيرا للموروث فقط أو إبداعا خالصا عن طريق الحكمة البحثية أو الحكمة الذوقية.