76
وقد يحيل العلم بأكمله مثل علم النفس إلى باقي العلوم كالأخلاق. إذ يتبين من الأخلاق أنها والعادات تابعة لمزاج البدن، ويشمل الوظائف الشرعية والسنن المللية والعبادات البدنية والمالية أي الشرع. وقد يحيل موضوع التنفس إلى العلوم الطبيعية نظرا لارتباطه بالأجرام العلوية وتأثير العالم العلوي في العالم السفلي. فكل علم تثبت مقدماته في علم آخر.
77
وتظهر البيئة الدينية في البسملات والحمدلات في البداية والنهاية والوسط، في أول كل مقالة أو في آخرها في كل المؤلفات. كما تظهر الصلوات والتسليمات على الرسول وآله وصحبه. كما تظهر بعض الدعوات الصوفية ومصطلحات وغايات الإشراق كما هو الحال في المؤلفات الكلامية الأشعرية، ودعوات الكريم بالتيسير والإتمام بالخير، ودعوة الله بالتوفيق بمنه وجوده وكرمه، وربط كل شيء بالمشيئة الإلهية في تأليف الفصول القادمة والاستعانة بها. ولا فرق في ذلك بين المؤلف والناسخ والقارئ والمالك بائعا أو شاريا. فالمهم النص كوثيقة حضارية وكعمل جماعي يكشف عن دلالات عامة. ويكشف ذلك عن الجو الديني العام للتأليف طلبا للهداية إلى طريق الحكمة الذوقية ودعاء بحشر الجميع مع أهلها. وقد يزداد على البسملة الدعوة بالتوفيق والإنابة والاستعانة والتوفيق وإدراك المطالب العالية والنجاة يوم الحساب والمنفعة بالعلم وبنيل الغايات والسعادة في الدارين ودوام السلامة. ويمكن أن تحتوي الخاتمة الدينية على دعاء أو شهادة على خصم.
ويوصف الله بكثير من الأوصاف الفلسفية مثل واهب العقل أو واهب العقل والكمال. ويتكرر الوصف في معظم الرسائل، بالإضافة إلى مبدع الكل. وتتوالى الصور البلاغية مثل الذي خلق العدم بنور الوجود، ملهم الصواب. ويوصف بأنه واهب القوة مع عديد من العبارات ذات السمع والإيقاع اللفظي كما هو الحال في الدعوات والابتهالات والمواعظ والمواجيد. الله ملهم الصواب، ومنور الألباب، واهب العقل، والمتكفل بالعدل. كما تكشف المقدمات الدينية عن نظرية الاتصال الشهيرة في الفلسفة الإشراقية. فالله مخاطب، والإنسان مخاطب، والإشراق خطاب لمدافعة الخطأ وملازمة الصواب. وذلك لا يحدث عند العامة بل فقط في قلوب الأولياء المؤيدين منه والذين خلصت سرائرهم، وصفت ضمائرهم كما أشرق على الموجودات فأبدع الأفلاك، وخلق الأركان، وأنشأ النبات، وأكمل الحيوان ثم خص الإنسان بشرف المنطق والفكر والبيان حتى ليبدو أنه خلق كل شيء من فضالة الإنسان. لذلك استحق التعبد والتضرع. وتتم صياغة كل ذلك في أسلوب أدبي. فالأدب هو الرابط بين الفلسفة والتصوف، والإنسان مركز الكون وقصده في كلا العلمين.
78
وكذلك يوصف الرسول ببعض الصفات مثل صاحب الشريعة. وتتجدد صفات الرسول أيضا مثل واسطة عقد العدل، قلادة جيد الفضل، الحامل لواء الحمد، ملاح سفينة الرشد. وهي أقرب إلى الصور البلاغية منها إلى التصورات العقلية. وقد تصبح الصفات والصور لا شخصية بل عامة مجردة مثل شموس الدلالة، بدور الهداية، أعلام الدعوة إلى ينبوع الخير والشر والسعادة في البداية والنهاية، رسول الثقلين، النبي الأمي، أكمل البرية، سيد المرسلين، خير البرية والمطهرين من كدورات البشرية، سيد الأولين والآخرين. وتكشف الألفاظ الشيعة لابن سينا عن كثرة تعظيم الرسول مثل السيد والمولى والملاذ وكثرة الدعاء لشريعته وحزبه وحمد الله أولا وأخيرا وظاهرا وباطنا. بل إن اسمه يتضمن الأسماء المحببة إلى الشيعة من آل البيت مثل علي والحسين، فهو أبو علي الحسين بن سينا.
79
وتكشف بعض النهايات عن أسلوب التأليف المحلي، العمل باعتباره وثيقة شرعية يتحدد وقت كتابته وزمن الفراغ منه والدعوات للناسخ وطلب المغفرة له بل وللقراء أيضا مع تحديد وضعه، العبد الفقير لله، واسمه، ونسبه، ومذهبه، وتاريخ وفاته هجريا. فلم يكن الميلادي قد ظهر بعد في الوعي التاريخي الإسلامي.