17
وقد ذكر ابن باجه نموذجا ثانيا للفلسفة المشرقية مع اقتباس نصوص منه لدرأ المسافة بين طريق النظر وطريق الذوق، بين البحث والتصوف. فيمكن الوصول إلى الحقيقة إما عن طريق البحث وهو طريق ابن باجه وإما عن طريق ابن سينا وهو طريق ابن سينا والغزالي وابن طفيل. ويختار ابن طفيل نظرية الاتصال عند ابن باجه ليبدأ منها لعله يمكن ضمها إلى التراث الإشراقي وأسرار الحكمة المشرقية. العلم الحاصل بالاتصال هو علم المعاني أو التصورات العقلية المباينة للمادة وأقرب ما تكون إلى الأمور الإلهية التي يهبها الله لمن يشاء من عباده. وهي رتبة ينتهي إليها ابن باجه عن طريق العلم النظري والبحث الفكري دون أن يتخطاها إلى الذوق والمعاينة. وحال الناظر دون المعاينة كالأعمى الذي يعرف اللون عن طريق الاسم والشرح وليس عن طريق النظر. أما ابن سينا والغزالي وابن طفيل فقد اختاروا طريق الذوق. والطريق الأول أقل قدرا وقيمة من الطريق الثاني على عكس اللقاء الشهير بين ابن رشد وابن عربي حين قال ابن رشد: إنه يشاهد ما يعلم، وقال ابن عربي إنه يعلم ما يشاهد. يصف ابن طفيل تطور الوعي الفلسفي التاريخي لحظة ابن باجه، جيلا وراء جيل، كل جيل لاحق أحذق وأكمل من الجيل السابق. ولكن ابن باجه شغلته الدنيا حتى وافته المنية. ولم يظهر خزائن علمه، ولم يبث خبايا حكمته. وما بقي من كتبه مخرومة من أواخرها مثل كتاب «النفس» و«تدبير المتوحد»، وما كتبه في المنطق وعلم الطبيعة. أما كتبه الكاملة فهي وجيزة، رسائل مختلسة أي سريعة كما صرح هو بذلك في رسالة الاتصال بأنه لا يمكن العثور على معناها إلا بعد عسر شديد، وأن ترتيب عباراته ليس على الوجه الأكمل. ولو اتسع له الوقت لقام بتعديلها. اطلع ابن طفيل على كتابات ابن باجه ولم يتعرف على شخصه بالرغم من التقارب بينهما في الزمان (533ه / 581ه). وأما من عاصره وكان في مرتبته فلم يكن له تأليف. فهل كان ابن رشد وغياب تأليف في الحكمة الإشراقية عنده؟ وأما غيرهم من المعاصرين له فهم كثر بغير كمال أو لم تصل لابن طفيل حقيقة أمرهم.
18
ويذكر الغزالي بعد ابن باجه وكأن التصوف التأملي لديه أقرب لابن طفيل من التصوف العملي عند الغزالي. ويستشهد ببيت له على المعارف الإلهية والعلوم اللدنية تعجز اللغة عن التعبير عنها وانتقاء العبارات والصياغات لها. فبعد أن طوف بالفلسفة انتهى إلى التصوف طريقا لليقين. وكفر الفلاسفة في «التهافت» لإنكارهم حشر الأجساد وإثبات الثواب والعقاب للنفوس. وقد تخبط مثل الفارابي في أمر المعاد، وهو الموضوع الرئيسي عند ابن طفيل. ويشير إلى مؤلفاته أكثر من الإشارة إلى شخصه مستشهدا بنصوص منها، من «التهافت» و«الميزان» و«المنقذ» و«الجواهر» و«المعارف العقلية» و«النفخ» و«التسوية» و«مسائل مجموعة»، و«المقصد الأسنى»، و«المشكاة». والعيب الرئيسي عند الغزالي هو تغيير خطابه بحسب الجمهور. للعامة خطاب هو الخطاب الفقهي، وللخاصة خطاب آخر هو الخطاب الفلسفي، ولخاصة الخاصة خطاب ثالث هو الخطاب الصوفي. الأول يشارك به الإنسان الجمهور، والثاني بحسب كل سائل ومسترشد، والثالث بين الإنسان وبين نفسه لا يطلع عليه إلا من كان شريكا له في اعتقاده. وهذه بداية خلط الغزالي؛ إذ صرح بالحكمة إلى الجمهور فاضطرب. ربط في محل، وأحل في ربط. ونشأ الاضطراب لديه لتأرجحه بين المستويات الثلاثة للخطاب. والبداية بالشك من أجل النظر، والنظر من أجل البصر، وإلا وقع الإنسان في العمى والحيرة والضلال. التصوف إذن ممثلا في الحركة الإشراقية هو بداية التحول من النقل إلى الإبداع، ومن العقل إلى القلب، ومن النظر إلى الذوق، ومن الكتاب إلى التجربة، ومن الفهم إلى المشاهدة. وقد وصل الغزالي إلى هذه المرحلة، فهو الذي يفصل تاريخ الفلسفة إلى مرحلتين. تحدث بالرمز والإشارة لأنها «المضنون به على غير أهله». ومن هو مؤهل لها صاحب البصر والبصيرة القادر على فهمها بأبسط إشارة. لم يصل إلى الأندلس منها شيء باستثناء «المعارف العقلية» و«النفخ والتسوية» و«مسائل مجموعة» و«المقصد الأسنى». بها أقل الإشارات، وليست ضمن المضنون به على غير أهله. وقد توحي «المشكاة» بأنها من المضنون به على غير أهله. أساء فهمه الناس، أنه يقول بالكثرة في الواحد وليس بالوحدانية. ومع ذلك فهو من الواصلين السعداء.