38
ويستمر الفكر الشيعي في تنظير الموروث عن طريق تحويل علم الكلام إلى فلسفة في الدين ثم تحويل فلسفة الدين إلى فلسفة في التاريخ. ففي «ضياع الحلوم ومصباح العلوم» يتم التحول من علم الكلام إلى الفلسفة، ويرتكز الكلام على عقيدتين، التوحيد والمعاد، التوحيد لب الإلهيات أو العقليات والمعاد لب السمعيات أو النبوات. والتوحيد مبدأ الخلق. والمعاد منه مذموم ومنه محمود.
39
وتسود نظرية الفيض لربط الله بالعالم بدلا من الخلق. وتتداخل الإمامة مع الكون، فالإمامة هي القامة الألفية، والدعوة الذكية، والعلوم الحقيقة، والذرية الإمامية والمرتبة الروحانية.
ثم تتحول فلسفة الدين إلى فلسفة في التاريخ عن طريق التواصل بين الأئمة والأنبياء، بين آدم وموسى وعيسى وفاطمة والحسن والحسين وأمير المؤمنين وسليمان ونوح وداود والحارث الأعور مخاطب علي وإبليس في جدل واحد بين الأنبياء والأئمة والأضداد. ولقد وصى إبراهيم لإسماعيل كما يوصي الإمام لإمام. وأولاد إسحاق خدم لأولاد إسماعيل. وعيسى صاحب الشريعة ثم محمد. وبين محمد وجده إسماعيل ثلاثون إماما، فالإمامة تكرار للنبوة. وكما يستشهد بالقرآن والحديث يستشهد أيضا بالتوراة في ترجمة عربية رصينة. وأكثر النصوص عن الأحوال النفسية للمضطهدين، إسماعيل الذبيح، وعيسى على الصليب.
40
ويظل القرآن هو الموروث الأصلي، والمصدر الأول للفكر الشيعي. وتتوجه الرسالة إلى القارئ للتواصل مع الكاتب. وكما تبدأ بالبسملات تنتهي بالحمدلات. (ز) الطوسي
وفي «شرح مسألة العلم» للمحقق خواجة نصير الدين محمد الطوسي (672ه) يتم التعرض لمسألة العلم، وهو موضوع مشترك بين الكلام والفلسفة في صيغة حوار افتراضي «قال ... يقول».
41
وبطبيعة الحال يتصدر المتكلمون ثم المعتزلة والحكماء ثم الأشعرية والأوائل ثم المنطقيون كفرق كلامية قبل ذكر أسماء الإعلام مثل الحسن البصري وفخر الدين الرازي وهشام بن الحكم وصاحب المختصر.
42
ومن الموروث الأصلي تذكر آيتان في الصلة بين الإدراك والعلم في الإنسان وهل يمكن قياسهما على الله مثل
وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ،
وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون .
وتضم الرسالة أربعا وعشرين مسألة عن أقسام العلم والمعلوم المستقبلي والمعدوم، والعلم البديهي والنظري، والعلم بالمتقدمين والنتيجة والإدراك والعلم. ثم يتم الانتقال إلى العلم الإلهي كصفة زائدة على الذات، والعمل بالجزئيات، وصلة العلم بالقوة والإرادة، وصلته بالكلام والعناية واللطف والهداية والجود وباقي الصفات. وهي موضوعات كلامية صرفة. نابعة من أصل الموروث ولا شأن لها بالوافد.
43
والرسالة في علم الكلام وفي الفلسفة في آن واحد تدل على تحول الكلام المتأخر إلى فلسفة وتحول الفلسفة المتأخرة إلى كلام. وهي أقرب للحوار، والسؤال والجواب، «قال ... يقول».
44
ويبدأ بعشرة أبيات من الشعر. فالشعر ثقافة العرب لو جمد الموروث وتحجر.
45
وينقد المعتزلة لقولهم الحقائق الثابتة، وإن المعدوم شيء. كما ينقد هشام بن الحكم لجعله العلم تابعا للاعتقاد . وينقد اعتبار العلم إضافة شعور العالم بالمعلوم عند أبي الحسين البصري وفخر الدين الرازي. ويصاغ الموضوع في صيغة تساؤلات مثل العلم تابع أم ليس بتابع.
46
ثم تأتي التأكيدات أن العلم فعل وانفعال، أما علم الله ففعلي غير انفعالي ويعرف حقيقة العلم مع التعريفات السابقة. ويعرض للصلة بين الإدراك والوجود والذهن، وأقسام الإدراك وعلم الله، ونقد أن العلم هو الإضافة. ثم تأتي بعد ذلك أربع وعشرون مسألة تدور أقل من نصفها حول العلم الإنساني والنصف الآخر أو أكثر حول العلم الإلهي. وقد يتداخل العلماء في بعض المسائل. والعلم الإنساني في الغالب مطروح في صيغة تساؤلية ما دام الأمر فيه وجهات نظر مختلفة. بل إن العلم الإلهي أيضا في أكثر من نصف مسائله معروض أيضا بصيغة تساؤلية.