تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

والرابع لإثبات أن العقل هو أول العوالم وأعلاها مرتبة فوق النفس والجسم. يستشهد ابن سينا بالحديث القدسي لإثبات أن العقل له مكان مركزي في الموروث كما هو الحال في الوافد بالرغم من تأويلات الصوفية له وزحف التصوف على الفلسفة منذ إخوان الصفا وخلال الفارابي وابن سينا حتى الغزالي. لذلك كان ابن سينا أقرب إلى الطبيعيات منه إلى الإلهيات في حين أن الفارابي كان أقرب إلى النحو والمنطق حتى أتى ابن رشد فزحف علم الأصول على الفلسفة. ويشرح ابن سينا الحديث على أنه ثلاث مقولات طبقا للقسمة الثلاثية المعروفة عند أفلاطون دون تصريح بذلك أو ذكره نظرا لأن الوافد أصبح في اللاوعي المعرفي من ذكريات الماضي البعيد.

و«في ماهية الصلاة» فلا يذكر شيء من الوافد. إنما يذكر الموروث الأصلي، القرآن، (مرتان) والحديث (ست مرات). والموضوع جديد على الوافد وأصيل في الموروث. الآية الأولى تثبت أن لله الأمر والخلق، والثانية أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. ومن الأحاديث يفسر الأول أن الصلاة عماد الدين، أنها وسيلة الاتصال بالأفلاك وأداة لتصفية النفس بتشبهها بالأجرام السماوية. الدين هو التصفية، والصلاة عماد الدين. الصلاة قاعدة الإيمان، ومن لا صلاة له لا إيمان له، ومن لا أمانة له لا إيمان له. والثالث والرابع أن الصلاة مناجاة للرب، والمناجاة تتم بالعقل. والخامس حديث قدسي في صياغته أن المصلي يناجي ربه، ومذكور ثلاث مرات، مرتان في صيغة قصيرة، ومرة في صيغة طويلة. والسادس يميز بين الصلاة الشرعية البدنية العددية الظاهرة في مقابل الصلاة الروحية القلبية الباطنية كما هو الحال عند الصوفية.

17

و«في الحث على الذكر» ينظر ابن سينا آية قرآنية واحدة مرتين دون إحالة إلى أي وافد لبيان سلاح ذكر الله لقمع النفس وإيقاظ القلب، وأنه يزداد بالفكر على الذكر استخلاص النية الذكر من عادة المجادلين وسلط الذكر على الفكر لإذابة تخييل الواردين. ويتبرأ عن أحوال الذكر وقوة الفكر بالإنابة إلى رب العالمين. كل ذلك تنظير لآية واحدة. كما تتضمن الآية نسيان الخلق في الاستغراق في الذكر، وأن الذكر لا يخلص عن النسيان مع انتشار الحواس في شهواتها، وأنه لا يصفو مع هواجس النفس، وأنه يدخل في السر (النفس)، وتبرز عروقه في القلب. وذكر اللسان يفتح القلب حتى تتم المشاهدة بعد المراقبة والمجاهدة. فيبلغ الإنسان منزلة السكينة. وذكر الله والحق من ذكر الناس.

18

وموضوع التفسير موضوع موروث مباشر، علم نقلي بأكمله حاول ابن سينا تنظيره إلى علم عقلي أسوة بالتفسير العقلي عند المعتزلة كتب فيه عدة رسائل . منها «الرسالة النيروزية». ولها عنوان آخر «في معاني الحروف الهجائية». وواضح في العنوان الأول أثر الثقافة الفارسية، وفي الثاني أثر الثقافة العربية. وكلاهما من الموروث. موضوعها الحكمة الإلهية وليست المصلحة البشرية، كشف سر وليست رؤية واضحة للحق، لطف الواقع من النفس وليس الأثر العملي. الغرض منها فهم فواتيح السور، وهو ما ضرب عمر بن الخطاب السائل عنها بسببها. ويسميها ابن سينا الفرقانية. تمثل سطح العلم، والأسرار ما زالت في العمق. تنظير الموروث يعني تحويل المنقول إلى معقول عن طريق التأويل، والذهاب من السطح إلى العمق، ومن الظاهر إلى الباطن، ومن الحرف إلى الكون، ومن اللغة إلى الطبيعة، ومن التنزيل إلى التأويل.

19

يبدأ من ثقافة العصر، نظرية الفيض لاحتواء الآخر ثم تأويل الحروف الهجائية المفردة بها قبل تفسير أوائل السور بناء على هذا التأويل وإدخالا للآخر في وعاء الأنا. قسم الرسالة ثلاثة أقسام: الأول ترتيب الموجودات وهي الثقافة الوافدة، نظرية الفيض بعد أن أصبحت موروثة. والثاني دلالة الحروف عليها وهو الوعاء الموروث. والثالث الغرض أي هدف ضم الوافد إلى الموروث. الوافد هنا ثقافة وليس شخصا أو كتابا أو علماء تعني الألف واجب الوجود، مبدع المبدعات، ومنشئ الكل، ذات غير متجزئ أو متكثر أو متقدم بسبب. لا يوجد أفضل منه، حق وخير وعلم وقدرة وحياة وكأن الفلسفة قد أعادت الذات والصفات من علم الكلام، مؤثرة التنزيه على التشبيه. بل إن المفهوم منها عند الحكماء معنى واحد. وتعني الباء العقل، أول ما أبدعه الله. وتعني الجيم النفس، وموادها الأفلاك. وتعني الدال العالم الجسماني الطبيعي. وهو نوعان: الأثيري المستدير، والعنصري المكون من مادة وصورة. وكلها في شوق إلى الله. ثم يتكرر الرباعي في الحروف الأربعة التالية: الهاء تعني الباري، والواو العقل، والزاي النفس، والحاء الطبيعة، وهي الأفضل. الطاء تعني الهيولى، والياء ليس لها إضافة تحتها على النحو الآتي:

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٢١