8
وقد يكشف ذلك عن قراءة إلهية للطبيعيات؛ إذ إن العلة الأولى ليست موضوعا للطبيعة بل لما بعد الطبيعة. وقد يدل ذلك على أن الطبيعيات مقدمة للإلهيات، وأن البحث عن العلل الأربعة تمهيد للوصول إلى العلة الأولى أو باختصار أن الطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أسفل وأن الإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أعلى. ومن الموروث الأصلي يذكر ابن سينا حديثين، واحد غريب، والثاني قدسي. الأول يقيد أن حسن الصورة لا يوجد إلا عند جودة التركيب الطبيعي. وبالحسن تقضي الحوائج. ويصر ابن سينا على أنه حديث بنص القول. والثاني عن العشق المتبادل بين الله والإنسان بمواصفات خلقية معينة للإنسان.
9
ولم يذكر ابن سينا في «معرفة النفس الناطقة وأحوالها» أيا من فلاسفة اليونان، بل ذكر ست آيات قرآنية وأربعة أحاديث نبوية مما يبين حضور الموروث وغياب الوافد، وإن الإبداع ليس مشروطا بالوافد وحده بل قد يكون بالموروث وحده. وهو أكبر عدد من الشواهد النقلية في الرسائل النفسية الست.
10
في البداية يستشهد ابن سينا بآيتين من القرآن لبيان أن النفس أو الروح من أمر الله وأن الإنسان لم يؤت من العلم إلا قليلا، وأنها سر على العلماء والدهماء على حد سواء. ويستشهد أيضا بالقرآن لشرح معنى التسوية أي جعل البدن بالمزاج الأنسي مستعدا لنطق النفس الناطقة به. وإضافة «من روحي» تدل على أن النفس من جوهر مخالف لجوهر البدن وهو البرهان الثالث. فهناك «أنا» جامع للإدراكات مخالف للبدن، جوهر فرد روحاني.
11
ويسمي ابن سينا القرآن الكتاب الإلهي بعد الإشارة إليه كوحي يتضمن السؤال عن جوهر النفس. كما يستشهد بالقرآن في آخر الفصل الثاني في بقاء النفس بعد بوار البدن عن طريق الكمال بالعلم والحكمة والعمل الصالح فتنجذب النفس إلى الأنوار الإلهية وأنوار الملائكة والملأ الأعلى كما تنجذب الإبرة إلى جبل عظيم من المغناطيس، وفاضت عليه بالسكينة والطمأنينة حتى ينادي عليها من الملأ الأعلى. ويقسم ابن سينا النفس إلى ثلاثة أقسام عقلا. الأول الكاملة في العلم والعمل وهم السابقون. والثاني الناقصة في العلم والعمل، والثالثة الكاملة في أحدها الناقصة في الأخرى. هذه القسمة النظرية تنظير لقسمة القرآن. فأصحاب الميمنة هم الكاملون في العلم والعمل، وأصحاب المشأمة هم الناقصون في العلم والعمل. أما الدرجة المتوسطة فغير واضحة في الآية إلا إذا كان المقصود السابقون السابقون أي المنافسة نحو الكمال فيصبحون كاملين في العلم والعمل. ويظل الإشكال في الدرجة المتوسطة قائما في حاجة إلى مزيد من التنظير. هل يتساوى الكامل في النظر الناقص في العمل مع الكامل في العمل والناقص في النظر أما أن الكمال في العمل يجب النقص في النظر مؤيدا بآيات أخرى مثل
قل اعملوا
هذه القسمة الثلاثية تعادل قسمة خصال النفس إلى العفة والشجاعة والحكمة ومجموعها العدالة، وهي خصال الكاملين في النظر والعمل دون الإشارة إلى أفلاطون ولكن تعشيقا عقليا للوافد في الموروث وجعل الموروث وعاء لتمثل الوافد.
12
ويستشهد ابن سينا بأربعة أحاديث. الأول في الحقيقة ونسبتها إلى قائل الحق تجاوزا التشخيص. محمد قائل الحق وأرسطو هو الحكيم يكمل البعد الأفقي «من عرف نفسه» بالبعد الرأسي «فقد عرف ربه»،
13
من الداخل إلى الخارج، ومن النفس إلى الله.
14
كما يستعمل ابن سينا الحديث للبرهنة على تمايز النفس عن البدن. فمعرفة النفس وليست معرفة البدن طريق إلى معرفة الله. والثاني يثبت به ابن سينا أن النوم أخو الموت في موضوع بقاء النفس بعد بوار البدن.
15
إذا نام الإنسان بطلت عنه الحواس، وصار كالميت. والإنسان في نومه يدرك الغيب والمنامات الصادقة. وهو برهان على تمايز جوهر النفس عن جوهر البدن. والثالث لإثبات النعيم الذي خلقه الله في السموات من الحور العين والأطعمة اللذيذة وألحان للطيور مع الإيحاء بأنه حديث قدسي، صورة للمرتبة الثالثة من النفس، وهي مرتبة المتوسطين أي النعيم الحسي. كما أن الحديث القدسي مرتبة متوسطة بين كلام الله وكلام الرسول.