2
وفي «التقرير لأوجه التقدير» يعود الشرق للظهور، مملكة الشرق دليلا على بزوغ الفكر الجديد، وهي على يمين العالم في الجبلة.
3
ومن الوافد لا يظهر إلا اللفظ المعرب «الأسطقسات» في «الفصول في المعالم الإلهية» والكيموسات البلغمية. ومن الموروث تتصدر الآيات القرآنية أصل الموروث الأول ثم الحكماء والطبيعيون والإلهيون من الحكماء. ومن الفرق الكلامية تظهر فرقتا الجبر والقدرية. كما يحال إلى الرسول محمد وإلى إدريس النبي أو هرمس. والرسالة مكتوبة إلى الشيخ أبي الحسين عبيد الله مما يدل على الظروف المحلية للتأليف، جبال الهند والسند ومبادئ التنجيم. ويحال إلى باقي مؤلفات العامري مما يدل على وحدة الفكر مثل «النسك العقلي والتصوف الملي» و«الإرشاد لتصحيح الاعتقاد».
4 (ب) مسكويه
وتمثل «في اللذات والآلام» نموذجا لتنظير الموروث الذي يتجه إلى «الإبداع الخالص» نظرا لضعف الموروث فيه. لا يشار إلى الوافد إلا بألفاظ عامة مثل الحكماء والطبيعيين على الإطلاق. أما الموروث فهو أكثر ظهورا مثل فيلسوف الإسلام علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر.
5
وهو شيعي الاتجاه. لديه قدرة على العرض العقلي والتركيز مما يوحي ببداية التحول إلى الإبداع الخالص. ويظهر مسار الفكر، إحالة اللاحق إلى السابق، والسابق إلى اللاحق مما يدل على وحدة الموضوع ومنطق الاستدلال، والنسق الداخلي للخطاب. كما يكشف عن التراكم الداخلي وبداية الوعي الفلسفي نظرا لأن المقال كله موجه ضد مذهب أبي بكر الرازي في اللذة. وتربط بين العلوم الرياضية والأخلاق في أثر الألحان على النفس، والموسيقى على الأخلاق. ويظهر أثر الموروث في تحويل الله إلى خير، والدين إلى أخلاق. فالخير المطلق هو الله تعالى، وهو الكمال الأكمل، واللذة المطلقة، مدرك لذاته وأشرف المعشوقات. واللذة مقصود إلهي عظيم في الأمور الإلهية، وهي سبب وجود العالم والنظام الإلهي والسياسة الربانية. والبداية بالبسملة والنهاية بالحمدلة والصلاة على محمد النبي وآله. فالتأليف صادر من الموروث تنظيرا له من الداخل دون استعانة بالثقافة الوافدة.
6 (ج) ابن سينا
وتمثل بعض رسائل ابن سينا في الحكمة والطبيعيات وفي النفس نماذج لما قبل الإبداع الفلسفي، تنظيرا للموروث وحده دون تمثل الوافد على الإطلاق إلا فيما ندر وكبقايا من الماضي البعيد. لم يعد المطلوب هو تمثل الوافد كما هو الحال في مراحل الشرح، التفسير والتلخيص والجامع أو العرض والتأليف والتراكم في تمثل الوافد أو تفاعله مع الموروث. فقد تم الإجهاز عليه كلية وتحويله إلى جزء من الثقافة الفلسفية حتى أصبح وافدا موروثا أو موروثا وافدا بل تنظير الموروث فحسب حتى يمكن تجاوز الوافد والموروث معا إلى مرحلة الإبداع الخالص، والابتداء من المصدر الداخلي وهو الكتاب والسنة، وكان الحكمة علم كلام جديد لا شأن له بالحجاج والدفاع والخصوم والفرق بل بالتنظير العام والتصورات الكلية للعالم.
ويستعمل ابن سينا الأسلوب الشخصي المباشر وتحليل التجارب الحية. فالفلسفة لم تعد نقلا بل إبداعا. ليست مجرد تجميع وتمثل واستيعاب بل معاناة وتجربة وحياة. وقد استنفذ جهده في تصفح كتب العلماء. فوجد أن البحث عن القوى النفسانية بحث عويص. واستدعى من أقوال الحكماء والأولياء «من عرف نفسه فقد عرف ربه» و«من عجز عن معرفة نفسه فأخلق به أن يعجز عن معرفة خالقه»، مرة إيجابا ومرة سلبا. لا فرق بين سقراط والنبي، بين اليونان والقرآن في مصدر واحد هو الموروث بعد أن أصبح الوافد مكونا فيه ومتحدا به.
7
وفي «رسالة في العشق» لا توجد إلا إحالة واحدة إلى تفسير ابن سينا لصدر المقالة الأولى من كتاب «السماع الطبيعي»، لمعرفة العلل الطبيعية والعلة الأولى.