تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وكل إمام له دور. وكلما انقضى دور أتى بعده دور آخر. فتطور التاريخ على مراحل، قانون عام ينتظم النبوة والإمامة في فلسفة للتاريخ والمراحل السابق يثبت التالي. الأنبياء ممهدون للنطقاء، والعلم مقدمة للسر. كل نبي دور، وكل ناطق أو أساس دور: لا فرق في ذلك بين التوراة والإنجيل. ويعنيان النفس. الكتابة في النفس، والتدوين في الشعور. لذلك يصعب التمييز بين الإمامة والنبوة. الإمامة استمرار للنبوة والنبوة إرهاص للإمامة.

وإذا كان الأئمة ستة فالسابع يتحول إلى كيف. فالتراكم الكمي يؤدي إلى تغير كيفي. كما أن الأدوار والفترات لا يبدأ كل منها من الصفر لحدوث تراكم في وعي الإنسانية بذاتها مستقلة عن الطبيعة والأهواء. فالتقدم حلزوني إلى الإمام حتى ينتهي المسار، وتتحقق غاية الوحي في التاريخ.

والتطور في النبوة تطور في الخلق مثل تطابق الصورة والمادة الروح والبدن. فخلق الصور الروحانية يكمل بالنطقاء الست. آدم والطين، نوح والنطفة، إبراهيم والعلقة موسى والمضغة، عيسى والعظام، محمد واللحم، والقائم والخلق الآخر. فيتطابق الفرد مع التاريخ، والفكر مع الواقع، والنور مع الظلمة، ويتضح أثر ثنائيات فارس ما قبل الإسلام في الفكر الشيعي. ومراتب النبوة كمراتب الطبيعة. ولا تنتقل النبوة من نسل إلى نسل بل تظل في نسل مصطفى. وقد لا يكون الاصطفاء هنا الذرية العرقية بل بمعنى الذرية الروحية

ذرية بعضها من بعض ، تعني أن الكلمة تبقى في أعقابهم. الذرية لها معنيان جسماني وروحاني. وكل رسول لاحق يمثل تقدما بالنسبة للرسول السابق على نحو رأسي لكن بلغة العلو، والمرتبة والدرجة على نحو أفقي. وتختلف المراحل فيما بينها في التقدم بين الطول والقصر أو في العلو بين الارتفاع والانخفاض. والمتأخر أفضل من المتقدم أي إن اللاحق أفضل من السابق.

3

وتقوم فلسفة التاريخ على تصور تطوري للوحي والعالم والبشر مثل ابن عربي في «فصوص الحكم»، فالحقيقة تتجلى فصا فصا.

4

ويتحول التصور الرأسي للعالم المعروف في الفلسفة الإشراقية خاصة نظرية الفيض التي تتجلى فيها فيضا من أعلى إلى أدنى، من الواحد إلى العقل إلى النفس إلى البدن إلى التصور الأفقي من الخلف إلى الأمام، ومن الماضي إلى الحاضر. تاريخ النبوة شهادة على كل عصر لأن كل نبي يعبر عن عصره. وخاتم الأنبياء للناس جميعا بعد اكتمال النبوة. هناك رنة تفاؤل في الفكر الشيعي نظرا لتوجهه نحو المستقبل، والثقة بانتصار الخير على الشر، والنور على الظلمة، والحق على الباطل؛ لذلك كانت مشكلة الشر والأضداد أكثر حضورا في الفكر الشيعي، فكر المعارضة، منه في الفكر السني، فكر الدولة الرسمي المتوجه نحو الماضي وعصر الخلافة الأول يستمد منه شرعيته في الماضي نظرا لنقص شرعيته في الحاضر.

وكل نبي لاحق يتم رسالة النبي السابق ويكملها. نوح أتم رسالة آدم بالشريعة، وبتحول الرسالة من الملائكة إلى البشر. وإبراهيم أتم رسالة نوح، وموسى أتم رسالة إبراهيم، وعيسى أتم رسالة موسى. وكل نبي لاحق يعتد بأحد الأنبياء السابقين، فله الخيار، فقد صلى موسى إلى الغرب اقتداء بنوح وليس اقتداء بآدم، فالابتداء دور ثان له استقلاله. واقتدى عيسى بآدم ولم يقتد بنوح وهو بعد موسى. وقد أتم محمد أمر آدم ونوح بإبراهيم. فالتاريخ تطور من آدم إلى القائم واقتداء من القائم إلى آدم. تخرج الثمرة من البذرة، وفي نفس الوقت تقتدي بها، حركة إلى الأمام وحركة إلى الخلف، سبق إلى الأمام ومراجعة إلى الخلف.

والعلة في تواتر الرسل هو برودة الحرارة الأولى، ونسيان الأوامر والنواهي نظرا لطول العهد، وبداية الانهيار والاضمحلال، فيأتي نبي آخر لعودة الحرارة الأولى ودفع حركة التاريخ خطوة أخرى إلى الأمام. لقد بعث الله في كل أمة نذيرا منها، وهذا هو البعث الأصغر قبل البعث الأكبر وهو الحشر. العلة في تواتر الرسل التجديد، فالتواتر هنا يعني التنجيم أي توالي الأنبياء. تجديد الشريعة واجب على الله لرحمته نظرا لتغير الزمان والمصالح، وهبوط الدافع الحيوي الأول. تنهض النبوة وتدفع التاريخ. ثم تفسد الشريعة وينهار التاريخ في دورات متتالية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٠٢