1
ويصعب عرض الصلة، بين تاريخ الأديان وفلسفة التاريخ في قانونها العام أو في حلقاتها السبع، المنطق أم التطبيق، الجدل أم الخطابة؟ ويمكن الجمع بين الاثنين، بين العام والخاص. ويمكن التفصيل في الفترة الأولى آدم ثم قياس الفترات الست الأخرى عليها. كذلك ارتبط موضوع النبوة بفلسفة التاريخ عند الشيعة أكثر من ارتباطها عند أهل السنة بالرغم من أن التاريخ في علم العقائد عند أهل السنة ملحق الإمامة إما في حديث الفرقة الناجية أو في انهيار التاريخ طبقة وراء أخرى. وكلاهما يدل على سقوط التاريخ على عكس الشيعة وتحول النبوة إلى إمامة مما يدل على تقدم التاريخ.
يعاد توظيف العقائد كلها كأسس نظرية الفلسفة التاريخ ويعاد تفسير آياتها أيضا كآيات في فلسفة التاريخ مثل السؤال عن الملكين هاروت وماروت وذي القرنين ومريم وإبراهيم وذريته من الأنبياء، وعدم نيل الظالمين العهد، وعن رفع القواعد من البيت، وعن الأربعة الحرم لكل نبي وإمام وحجج الليل والنهار، والفجر والليالي العشر، والشفع والوتر، والليل والبلد.
وهناك ألقاب أخرى أقرب إلى أوصاف الأئمة. منها أوصاف علمية مثل: المستودع وهو الذي يحتفظ بالعلوم بعد أن ضاعت في فقه السلطة، والباقر وهو الذي دخل العلوم وبقرها، والمجتهد وهو الذي يفكر مستقلا عن السلطان، والحجة وهو الذي يقيم البرهان ضد الخصوم، وروح الله بدلا من الحاكم صاحب الهوى الذي يبغي التسلط وروح الشيطان. ومنها أوصاف عملية قيادية إمامية مثل الوصي وهو الحافظ للرسالة الأمية عليها بعد أن انحرفت عن مسارها، والمهدي وهو الذي اختارته العناية الإلهية لقيادة الثورة، والهادي وهو الذي يقود الناس ويهديهم إلى الطريق القويم، والأمين وهو المحافظ على الأمانة ضد خيانتها. وهناك صفات أخلاقية مثل الصادق ضد الكذب وخراب الذمة والميل بالهوى عن الحق، والرضا وهو المصالحة مع النفس، وإتيان الله بقلب سليم، والنفس الزكية ضد أهواء البشر وفساد الأخلاق.
بل إن عقائد الشيعة نفسها يمكن فهمها في إطار أوضاعهم النفسية كمجتمع الاضطهاد مثل الغيبة نظرا للاضطهاد وحماية للأئمة حتى تحين الظروف فتكون الرجعة أو التقية وهو التخفي الإرادي وإخفاء شخصية الإمام حماية له من الاضطهاد وكنوع من الكذب الأبيض، والعصمة نظرا لسيادة أهواء البشر على حكام الظلم والطغيان، والقول بتعيين النص للأئمة ضد اختيار البشر القائم على الأهواء والمصالح المتبادلة.
ويستمد الفكر الشيعي ألقابه ومصطلحاته من أصل الوحي مثل الباب والقائم والجناح والجد والإمام والقائم والأساس، والمتمم وليست ألفاظا وافدة معربة أو منقولة، مما يدل على قدرة إبداعية على وضع المصطلحات اعتمادا على الموروث وحده. بل إن بعض مصطلحات فلسفة التاريخ جديدة للغاية مثل الفترة والدور والكور. كما تظهر المصطلحات المستقاة من العلوم مثل العدد من الحساب، والخط والسطح من الهندسة، والجرم من الفلك، والمكان والزمان من الطبيعة، والقول من اللغة، ولا شأن لها بالمصطلحات اليونانية الوافدة التي يستعملها الخاصة وحكماء البلاط.
وذلك على الضد ألقاب المطلقة عليهم من الخصوم مثل الشيعة أي الذين يتشيعون. والتشيع أتباع الهوى والانحراف عن الصراط المستقيم، أهل السنة والجماعة. والأفضل لقب الرافضة الذين يرفضون ويثورون ويغضبون في عصور أصبح الرفض فيها خروجا على النظام وعلى الجماعة وعلى الإيمان. والألقاب المحايدة مثل الإمامية الذين يقولون باتباع الأئمة، الإمام المنتظر كعادة مؤرخي الفرق في تسمية الفرق بأسماء مؤسسيها مثل الأشعرية والسبئية والواصلية والنجارية والمذاهب الفقهية مثل المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية.
وهذه الألقاب ليست ثابتة ساكنة بل هي كالمقامات متحركة ارتقائية. كل لقب يؤدي إلى الآخر. والغاية الوصول إلى سدرة المنتهى كما هو الحال في مقام الفناء عند الصوفية، من المؤمن إلى الداعي إلى الحجة إلى الإمام إلى الأساس إلى الناطق الذي بعده وسائط يستطيع الوصول إلى سدرة المنتهى. وفي هذه الحالة تكون الحركة رأسية تصاعدية وليست أفقية تاريخية. وربما تكون الحركة في كلا الاتجاهين من أسفل إلى أعلى أو من الخلف إلى الأمام، وليست من الأعلى إلى الأدنى كما هو الحال في نظرية الفيض أو من الأمام إلى الخلف. لقد حول الفكر الشيعي. مراتب الفيض إلى مراحل التاريخ.