وهذا هو معنى تفاضل الأنبياء وتفاوتهم في المرتبة والدرجة. فهو ليس تفاضلا رأسيا في سلم، بل تفاضلا أفقيا في دور النبوة السابقة ونهايتها وبداية النبوة اللاحقة. ومن هنا أتت ضرورة التسليم بمراحل النبوة كلها؛ إذ إن كل حد يسلم إلى الحد التالي تلقائيا في سلسلة متصلة واحدة. والدعوة واحدة، دعوة الحق، دعوة النجاة، والفوز بالجنة. جوهر الرسالات واحد وهو الإسلام أي التحرر من عبودية الأفراد والطبيعة والاستسلام الله وحده الذي يتساوى أمامه الجميع. يتفاضل الأنبياء بعضهم على بعض كما تتفاضل الأمم فيما بينها في الصفاء. وهو تفاضل راجع إلى تطور الوحي وليس إلى أشخاصهم ودرجاته من الاكتمال في آخر مراحله. كما أن تفاضل الأمم في أدائها رسالتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس لأشخاصها أو لصفات أبدية فيها. ولا ضير أن يكون هناك تفاضل وتفاوت بين الأنبياء والرسل. وعلى المؤمنين التصديق بهم جميعا على حد سواء. إن أصحاب القدس متفاوتون فيما بينهم، يدرك الأعلى الأدنى. اللاحق يدرك الأتم. والمتمم يدرك الأساس. والأساس يدرك الناطق وهو محمد بدليل الإسراء، وكأن المسجد الأقصى موجود أيام الرسول. ويركز السجستاني على فلسفة التفاوت والتفاضل والمراتب وليس على فلسفة المساواة خارج الزمان والمكان.
ويتداخل التاريخ مع المعاد، بداية العالم ونهايته، كور الماضي وكور المستقبل، الخلق والبعث، آدم والقيامة. فقد فارق الملائكة الأشباح من لدن آدم إلى يوم القيامة بالنفخة الثانية. فيقبل كل منهم مادة النفخ حسب طاقته فيصيرون أنسابا بالفعل، النفخة الأولى عند انقضاء كل دور، والثانية عند انقضاء الدور العظيم، وهي مجمع أدوار الرسل، انتهاء الكور الماضي وبداية الكور المستقبل. وكل واحد من الخلفاء الستة في دور القائم وهو المهدي له درجة من الدرجات الست ، للصور الجسمانية. آدم المعدن، ونوع النبات، وإبراهيم الحيوان، وموسى البشر، وعيسى الجن، ومحمد وآله الملائكة، والقائم الإنس بالعقل وهم أهل الجنة.
5
بل تتفاضل الملائكة كما تتفاضل الأنبياء على ست طبقات: أناس عالمون، وأمناء مربون، ورسل مصطفون، وخيرة روحانيون، وملائكة مرسلون، وعباد مكرمون. وكل له مقام معلوم.
وقد اشتق اسم الفترة من الفتور والملل، عندما يبرد الدافع الحيوي الأول. وهو معنى سلبي أي الانهيار والانحطاط، بداية النهاية عندما يصيب الإعياء النفوس الجزئية من العالم الجسماني فتعجز عن قبول التأييد، ثم يزول هذا العناء بظهور نفس زكية يتصل بها التأييد، وهو انهيار جماعي أيضا عندما يعود الضرر على كافة الناس بعصيانهم وإعراضهم عن الأساس والأئمة من ذريته في عصرهم وميلهم إلى الأضداد. عندئذ ينقطع مدد الإمامة، ويزول التأييد عنهم. ويتسلم الأمر اللواحق ثم الأجنحة فتظهر الأسقام، ويعم القحط والبلاء، وتقع الفتن والهلاك للتكبر على أولياء الله، وتنقطع الأمانة عن العالم مدة انقطاع الناطقة. واللواحق ليسوا أواخر الأئمة بل بيعتهم التي يسكنونها ويأوي الخلق إليها. والإمامة لا تنقطع عن العالم طرفة عين لأنها الحجة على الخلق. والحجة لا تنتهي بفساد العصر وإلا عم الهلاك مما يدل على أمل في المستقبل وإيمان شديد بالنصر حتى يظهر إمام جديد يقيم الشريعة ويهدى الناس. هاتان الحركتان، النهضة والسقوط، في الروح والبدن والطبيعة، الهداية والضلال، العلم والجهل، الصحة والمرض، النماء والقحط، الإصلاح والإفساد، الطاعة والمعصية، السقوط والخلاص كما هو الحال في اللاهوت المسيحي. ولا فرق في جدل التاريخ بين النهضة السقوط والنهضة من جديد ثم السقوط بين النبوة والإمامة داخل كل منهما بل وخارجهما، فانهيار النبوة إيذان بنهضة الإمامة.
وتحديد الفترة الزمنية بين ناطق وناطق بألف وخمسمائة علم موزعة على سبعة أئمة أو متمين يكون لكل منهم مائة عام، ويكون المجموع سبعمائة عام. وهي أقل المدة. ولا يجوز زيادة الأئمة عن سبعة. المهم الاتساق حتى يبدو الفكر متسقا مع نفسه. والدور من آدم إلى إبراهيم دور كبير. وأدوار موسى وعيسى ومحمد أدوار صغيرة. أول السبعة آدم وآخرهم القائم. إبراهيم ثالث ثلاثة في دوره فسمي وافيا وكذلك القائم كان الختام.