تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43 (د) فرق الشيعة

والشيعة لهم أئمة أكثر مما لديهم من فرق اثني عشرية أو إسماعيلية. وأئمتهم مثل علي بن أبي طالب، وجعفر الصادق، والحسن، والحسين، ومحمد بن إسماعيل، وعلي زين العابدين. علي بن أبي طالب هو مصدر العلم وعديد من الروايات عن العقائد والشعائر. وعبادة الاسم دون المعنى كفر. كما أنه طبق الشريعة. قطع يد السارق، وجلد الزاني، وحد المفتري، وأقام الحدود، وجاهد في سبيل الله. وهو أحق بالعودة الروحانية. كما يروى عن مآثره ومناخبه أنه نجم الله الثاقب وحبل الله المتين وعروته الوثقى التي لا انفصام لها. لم يشرك بالله طرفة عين لأنه لم يتصل إلا بدعوة الحق أي دعوة الرسول دون شك أو ارتياب. ويتم تحقيق مناط الآية في علي. فالشفع والوتر يشيران إليه. وهو الثاني الذي يبعث ويرجع. كما تروي العامة أنه رد طلاق النساء لأنه أمر له بالتسليم والتفويض لأنه الناطق. وهو عالم هذه الأمة كما أن الله ربها. وهو الذي نصبه الرسول يوم غدير قم. أقامه مقامه واستخلفه من بعده. وحول خاتمه من يمينه إلى يساره. وأمر وصيه أن يختتم باليمين ولا يحوله إلى الشمال إشارة منه بتسليم المنزلة إليه. وإذا كان اليوم اثنتي عشرة ساعة، فهذه إشارة إلى أن الوصي نظرا للتقابل بين الزمان والوصاية كما أعلن عن ذلك الرسول في حجة الوداع عندما أرشد الناس إلى التأويل بأنه اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. كما تدل حروف البسملة التسعة عشر على مجموع حروف علي ومحمد والحسن والحسين.

44

ويأتي جعفر بن محمد في المرتبة الثانية بعد علي استشهادا بقول له في الناطق الرحمن بأهل الدنيا بالبر والفاجر الرحيم. بمن قال لا إله إلا الله. فظاهر الناطق يناله أهل النجدين البر والفاجر، وباطن الأساس لا يناله إلا الموحدون؛ لذلك ظهرت الباء في الصامت ولم تظهر في الناطق. وظهرت في اسم الصامت، في اسم ثاني الأئمة وابنه علي زين العابدين، ولم تظهر في أول الأئمة دون أولاه خامس خاتمة. ثم تظهر في السبع المثاني. وكان أجر المؤمنين عليا قد جعل الرحمن من الرحيم من المغفرة أي من الناطق الإيقاظ والإنذار. والإنذار رحمة لهم، ومن الصامت البيان والهداية. ويرى جعفر بن محمد أن الأئمة مذكورون في القرآن وهم الفلك الجارية في البحار، ولا يموت أحد إلا ويحيا آخر. وهم آيات الله الكبرى وأسماؤه الحسنى، وأمثاله العليا، وكلماته عدل وصدق. ومن دعا غيرهم لا يجاب له. هم آيات الله في البلاد، وحجته على العباد. من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله لا فرق في ذلك بين سنة وشيعة. وتثبت الآيات في الأئمة ويتحقق مناطها فيهم تأكيدا للذات، وتعويضا نفسيا عن الهزيمة والضياع فهم غير معترف بهم في الدنيا لكنهم مذكورون في الآخرة، خارجون على الشريعة، ومذكورون في القرآن تدعيما للثورة وتأصيلا لها مثل الجاهل الذي يرى العلم في القرآن. كما بين أهمية البصيرة للعامل. فالعامل بلا بصيرة كالبغل في الطاحون، يمشي طيلة النهار، ولا يبرح مكانه.

45

| خامسا: من تاريخ الأديان إلى فلسفة التاريخ

(1) مبادئ التاريخ

ويتحول تاريخ الأديان إلى فلسفة في التاريخ في المقالة السادسة، الفصلين الثاني والثالث من كتاب «النبوات» للسجستاني. وتعتمد كلها على الموروث دون الوافد. بها أكبر قدر من الشواهد النقلية وأسماء الأنبياء خارج الآيات وداخلها. وتكثر أسماء الأعلام من الأنبياء والأوصياء والأئمة مما يحد من استقلال الفكرة ومسار التاريخ. ومع ذلك يمكن إخراج هذا المسار كفلسفة مستقلة في التاريخ عن حواملها التاريخية. وأحيانا تذكر أسماء الأعلام بلا دلالة كلية بل في إشارات جزئية مثل سليمان والنملة، وقصة نوح في الصلة بين الناطق والصامت.

وتاريخ الأنبياء هو تاريخ الأمة، من القصص إلى الوعي التاريخي، من الماضي إلى الحاضر، من التاريخ كميدان تحقق إلى المجتمع كميدان صراع. فلسفة التاريخ مثل مدينة الله، تثبت انتصار الحق على الباطل، والعدل على الظلم، والثورة على التسلط. القصد منها خلق مدينة مثالية عادلة بدلا من المدينة الأرضية الظالمة. لذلك يهاجم السجستاني علماء العامة، أهل الظاهر، لا علماء الشيعة ولا القاضي النعمان والذين يريدون تفسير النصوص لتبرير المدينة الأرضية، دولة الظلم والطغيان. فلسفة التاريخ تعويض عن النظم السياسية في التاريخ من أجل التشبث بالحق في الخيال بعد أن ضاع على الأرض، انتصار الماضي الدائم بدلا من هزيمة الحاضر المؤقتة. وتاريخ الأديان تأصيل للعمق التاريخي ضد دعاة نهاية التاريخ، وتحقيق مرحلته النهائية، مرحلة الأمويين الظلمة. ينشأ الفكر الشيعي، مثل الفكر الصوفي دولة في الماضي تعويضا عن فقدان دولة الحاضر، دولة في السماء بعد أن ضاعت دولة الأرض. فتعويض الحاضر إما أن يتم في الماضي عند الأنبياء والأئمة والنطقاء وإما في المستقبل عند المهدي المنتظر. استدعاء تاريخ الأنبياء كله أقوى من الاعتماد على آخر مرحلة ولإثبات قانون للتاريخ، ثابت ومطرد يجرف الانحراف الأخير.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٠٠