تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحكيم والحقيقة شيء واحد، أقواله حقيقة ونموذج ومعيار يقاس عليه أقوال الشراح؛ فالحكيم هو الحكم إذا اختلف الشراح فيما بينهم؛ ففي المقاييس المختلطة من الوجودي والضروري تتبع النتيجة المقدمة الكبرى؛ لأنها المقول على الكل. وإذا كانت المقدمات غير تامة فالنتائج كذلك. قد يتفق أقوال الشراح مع ظاهر كلام الحكيم أو تخرج عليه بدافع تأويل بعيد. والتأويل منهج موروث لدراسة علاقة أرسطو بالشراح، الأصل بالفرع، النص بالشرح. يعود ابن رشد إلى الأصل وإلى النص للحكيم على الفرع وعلى الشرح. كلام الحكيم هو الظاهر، وأقوال الشراح هو المئول، وكلاهما مقولتان أصوليتان. وأحيانا يئول ابن رشد كلام الحكيم حتى يتفق مع شرحه الصحيح. ويتصور ابن رشد اعتراض الخصم من أجل معرفة سبب الشبهة والدفاع عن فهم أرسطو الصحيح. يدخل في مسار فكر أرسطو ليتبع منطق استدلالاته؛ ومن ثم يكون ابن رشد هو الحكم بين المتخاصمين في أرسطو. ينقد الفارابي لسوء فهم أرسطو، وينقد أرسطو لسوء فهمه للحقيقة والواقع؛ أي الأمر في نفسه. ابن رشد هو المراجع والمحقق والدارس والعالم.

86

ويذكر ابن رشد ثامسطيوس وثاوفرسطس معا؛ الأول من متقدمي المشائين، والآخر من متأخريهم. ويقرن ثاوفرسطس بأوديموس أيضا من قدماء المشائين، والغرض الدفاع عن مذهب أرسطو في جهات النتائج ضد توهم ثامسطيوس وثاوفرسطس؛ فلثامسطيوس توهمات بالنسبة لموضوع جهات النتائج عند أرسطو. وخطأ أرسطو جعل النتائج تابعة للمقدمات في المقاييس المختلطة من الوجودية والضرورية، فظن الشراح في مقابل يقين أرسطو وابن رشد. ويصح فهم أرسطو إذا ما أخذ على ظاهره دون تأويل كما يفعل ابن رشد.

وكما أخطأ الإسكندر في التأويل وتبعه الفارابي في نفس الخطأ، يؤيد ابن رشد الإسكندر إذا فهم أرسطو على ظاهره؛ لأن كلام أرسطو لا يحتاج إلى تأويل، وينقده إذا ما أول أرسطو؛ لذلك أخطأ الإسكندر عندما فهم الوجودية عند أرسطو أنها الموجودة بالفعل. وقد أدرك الفارابي أن تأويل الإسكندر غير صحيح؛ فالشارح الإسلامي مرة يتبع الشارح اليوناني ومرة يستقل عنه طبقا لنص أرسطو أو طبقا للأمر نفسه. الشرط عند الإسكندر مادي، لا فرق بين وجودية وضرورية. شرط القول على الكل أن يكون الحد الأوسط موجودا بالفعل في المادة الوجودية والضرورية، لا في جميع المواد؛ وبالتالي يتبدد شك الفارابي عليه.

ولا يخطئ ابن رشد إلا الشراح المتقدمين على الإسكندر، ولا يصدر حكما واحدا على الشارح في كل الحالات، بل طبقا لكل حالة؛ فالشارح مرة يحسن الفهم ومرة يسيئوه، مرة يأخذ الكلام على ظاهره ومرة يئوله. مسار الشرح إذن من سيئ إلى أسوأ، من تأويل قريب من النص إلى تأويل بعيد عنه، من الأشرف إلى الأخس، توحيدا بين المنطق والقيمة. ويحاول ابن رشد العودة إلى الأصل في مسار معاكس من التاريخ إلى النص، ومن الشرح إلى الأصل، وكأنه أصولي بمعنيين، العودة إلى الأصول أي النص، وكما هو الحال في التيار الأصولي، والعودة إلى الأصول أي الأول في الزمان، كما هو الحال في التيار السلفي. والقدماء لفظ عام يوحي بالبعد التاريخي للفكر؛ فقد توهم القدماء وشكوا في كيفية جعل أرسطو النتيجة تابعة لجهة إحدى المقدمتين، وعدم التفرقة بين المقدمة الكلية والمقول على الكل، وكأن ابن رشد يفصل بين مرحلتين تاريخيتين؛ ما قبل القدماء وما بعد المحدثين.

87

ومن الموروث يتصدر الفارابي الشارح الأول لأرسطو قبل الإسكندر.

88

ولا توجد إحالة إلى مصادر إلا إلى شرح القياس. وقد تأول الفارابي أرسطو أيضا كما أوله ثاوفرسطس من قدماء المشائين، والإسكندر وثامسطيوس من محدثيهم، خروجا على مذهب أرسطو. لقد تابع الفارابي الإسكندر في تأويله لأرسطو في معنى الوجودية وجعله الموجودة بالفعل. والفارابي راو ومؤرخ للشراح خاصة الإسكندر. ومع ذلك خالفه في تأويل معنى المقول على الكل عند أرسطو، كما أنه حاد عن صحة بعض تأويلاته. شرط الفارابي في جميع المواد إنما يصدق في مادة واحدة هي الضرورية والوجودية، وهو ما قصده الإسكندر بوجود الحد الأوسط بين الكبرى والصغرى؛ ومن ثم لا يصح شك الفارابي على الإسكندر. يقوم ابن رشد هنا بدور القاضي الذي يحكم أحيانا لصالح الفارابي ضد الإسكندر، وأحيانا أخرى لصالح الإسكندر ضد الفارابي. ويبين ابن رشد شرط المقول على الكل الذي اختلف فيه المفسرون مراجعا التاريخ وعائدا به إلى أصوله الأولى عند أرسطو. وبالرغم من رفض الفارابي مذهب الإسكندر في المقول على الكل إلا أن ابن رشد يرفض رفض الفارابي استئنافا لعملية التطهير لنص أرسطو؛ إذ يسيء الفارابي أيضا تأويل أرسطو، وعذره رغبته تصحيح أرسطو بعد أن تحقق أن أمر المقول على الكل غير صحيح؛ لأنه كان سبب استبعاد بعض المقاييس غير التامة. ويستأنف ابن رشد تبرير الفارابي لأرسطو مصححا فهمه بأن المقول على الكل عنده بالمعنى العام.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٩٨