تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

89

ويبدو موقف أرسطو متفقا مع الفطرة الإسلامية؛ أي الفكر الطبيعي الذي يجعل الطبيعة قيمة. ويبدأ بالبسملة والصلاة على محمد وآله وصحبه، وينتهي بالدعوة إلى الله بالتوفيق للصواب سبحانه لا إله إلا هو وحده. وتختلف الدعوات والابتهالات والمقدمات الإيمانية بحسب الأمزجة والعادات. ويتم تحديد مكان النسخ وزمانه، إشبيليا والدعوة لها بأن يجيرها الله؛ مما يثير الأشجان والأوجاع ثمانية وعشرين عاما قبل رحيل ابن رشد؛ مما يدل على امتداد فترة التأليف على فترات حياته كلها. (ح) وفي «القياس الحملي والشرطي، ونقد القياس الاقتراني عند ابن سينا»، يتصدر أرسطو والحكيم، ثم ثامسطيوس. ويحال إلى القياس وأنالوطيقا الأول، ثم إلى الجدل. ومن الفرق يحال إلى المفسرين وحدهم.

90

ويؤلف ابن رشد في موضوعات أرسطو، حتى ولو لم يختلف عليها الشراح، من أجل تدعيمها وعرضها وفهمها وتنظيرها وبيان معقوليتها، مثل استحالة طلب مجهول أول بقياس شرطي منفصل أو متصل؛ ولهذا لم يثبته أرسطو في كتاب القياس محيلا الجزء إلى الكل. يبدأ ابن رشد بالفاعل «أرسطو» ثم بالفعل «يرى»، بالمؤلف الأول، أرسطو، وليس بالمؤلف الثاني، ابن رشد نفسه. عيبها أنها لا تتكون من ثلاثة حدود؛ لأنها ليست مقاييس حملية؛ لذلك لا تدخل تحت حد القياس المطلق، بل في كتاب الجدل. لا تسمى قياسا إلا باشتراك الاسم، ولا يطلب منها مجهول بالرغم من استعمال أرسطو في كتبه مقدمات جدلية بصيغ شرطية؛ فكل قياس إما حملي وإما شرطي وإما مركب منهما، وهو قياس الخلف. والصيغ الحملية هي الصيغ التقريرية الوصفية، في حين أن الصيغ الشرطية هي الصيغ الاحتمالية. وقد قدم أرسطو ذلك بناء على تحليله الأمر نفسه، أي الأشياء ذاتها، وليس بناء على رأي خاص أو وجهة نظر شخصية.

91

ويبحث ابن رشد عن الوضوح، ويستدل من المقدمات على النتائج، ويرفض الهذيان. وابن رشد يقول، وليس أرسطو وحده.

92

ويستغرب من تبعية الشراح للحكيم أحيانا دون التشكيك عليه حتى يثير الفكر، ويبرز الخلاف، ويحكم بين المتخاصمين؛ فإذا أجمع المفسرون على شيء واضطربوا في شيء آخر، فالإجماع حجة ودليل شرعي.

ومن الموروث يتصدى الفارابي ثم ابن سينا. ويحال إلى التحليل والبرهان للفارابي، وإلى المقدمات لابن سينا. ومن الأسماء يتصدر النبي ومحمد، ثم مسيلمة. ومن التعبيرات الدينية «يوحى إليه»؛ مما يدل على أن الموروث ليس الفلسفي وحده، بل أيضا الديني العام.

93

وقد شك الفارابي على أرسطو في القياس المطلق شاملا الحملي والشرطي معا، وشاركه ابن سينا في هذا الشك؛ إذ إن ابن سينا يخالفه أحيانا ويتفق معه أحيانا أخرى. وإذا كانت نسب أجزاء البراهين الشرطية مثل نسب ما ألف في الحملية إلا أن صيغة الشرطي تقتضي بذاتها الشك في المستثنى؛ مما يتطلب ألا يكون قياس شرطي ما كان المستثنى فيه بينا بنفسه. وبالرغم من موافقة ابن سينا على ذلك إلا أنه لا يرضى ببرهانه وتشكك فيه. ويحكم ابن رشد بينهما، ويرجح كفة الفارابي، ويعطي حيثيات الحكم. ويستشهد ابن رشد بنصوص أبي نصر وليس بنصوص أرسطو إلا من أجل التوفيق، ويؤيد الفارابي ويهاجم ابن سينا كرجل وشخصية، وليس فقط كأفكار.

94

ويتفق ابن سينا مع الفارابي في حد القياس المطلق الذي يشمل القياسين، ويتمايز ابن رشد عنهما بالرغم من أنه أقرب إلى موافقة الفارابي أولا ثم مخالفته ثانيا، في مقابل هذيان ابن سينا في «الشفاء». ويرفض ابن رشد اقتراح ابن سينا بوجود قياس اقتراني بالإضافة إلى الحملي والشرطي، وهو مأخوذ من النصارى المتفلسفين وليس إبداعا، خاصة وأن ابن سينا صامت عن مصادره؛ فنظرا لرغبة ابن سينا في التجميع ضم المتفلسفين النصارى ظانا أنه رد على أرسطو القياس الاقتراني، كما يعترف ابن سينا نفسه في «الشفاء»، وهو تناقص؛ لأنه يرى أن كل قياس حملي يمكن أن يتحول إلى قياس شرطي، وأن كل قياس شرطي يمكن أن يتحول إلى قياس حملي، ومع ذلك هما قياسان مختلفان. وأقيسة ابن سينا خارجة عن الطبع لا يمكن للعقل استعمالها، ولا تعبر عن الفكر الإنساني بالطبع كاستعمال الحملية؛ فكل أنواع الشرطيات المتصلة تعتمد على مقدمات خارج الطبع؛ لذلك يكثر منها ويملأ الشفاء بها، ويعترف أن صدقها بالاتفاق مع أن ما بالاتفاق غير متناه لا تنظر فيه أية صناعة؛ لأن مقدماته متعاندة. وصحيح يثير قياس الشفاء الدهشة من هذه الأشكال المتبعة، مصادرها وطرق إبداعها وأوجه استعمالها. ويحيل ابن رشد إلى كتاب ابن سينا «المقدمات»، ويعني به بارمنياس. ويستعمل بعض الأمثلة المحلية من الموروث قبل فعل «يوحى إليه»، وأسماء النبي محمد، ومسيلمة، في أشكال القضايا الحملية تقريبا للأفهام، بدلا من هوميروس والأمثال اليونانية. ويبدأ بالبسملة، ويطلب العون من الرب، والصلاة على محمد وآله، والحمد لله رب العالمين. (ط) وفي «كتاب الحد» يتصدر الإسكندر ثم أرسطو؛ أي الشارح على المشروح؛ مما يدل على أهمية تخليص أرسطو من براثن الشراح، ثم الإسكندرانيون ومتأخرو الإسكندرانيين إحساسا بالتاريخ، وأن السلف خير من الخلف، والأوائل أفضل من الأواخر، حيث أرسطو ما زال حيا في القلوب مثل النبوة قبل أن يصيبها التحريف والتغيير في الزمان، وقبل أن تتحول الخلافة إلى ملك عضود.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٩٩