81
وابن سينا له مذهب مستقل في الموضوع يقوم على الخلط ابتداء من تقسيمه الحمل الضروري على أنحاء خمسة طبقا للمقدمات. خطؤه في متابعة الإسكندر دون الرجوع إلى الأصل، وهو أرسطو، وهو منهج إسلامي يلجأ إلى الأصل دون الفرع، كما هو الحال في التفسير، وفي الأدلة الشرعية الأربعة. فخطأ المسلمين مزدوج بسبب فهم أرسطو من خلال شراحه. وقد ناقض ابن سينا نفسه بين «الشفاء» و«النجاة». اعتبر في «الشفاء» أن المطلقة هي التي محمولها موجود للموضوع ما دام المحمول موجودا رأي سخيف، ثم عاد في «النجاة» وجعل المطلقة تقال على الأربعة وعلى الثلاثة، وعلى هذا المعنى الذي سخفه من قبل ونسبه إلى الإسكندر. ويدل ذلك على وعي تاريخي عند ابن رشد، وفي نفس الوقت على ضرورة اتساق الحكيم. وقد يكون التناقض ظاهريا نظرا لتغيير السياق؛ فكل تحليل ابن وقته متسق مع نفسه، وليس مع تحليل في موقف سابق. هذا هو الخلاف بين موقف «الشفاء» وموقف «النجاة» دون افتراض تغيير الرأي وتطوره بالضرورة. ليس ابن سينا مؤرخا، وإنما هو الذي بنى الحكمة وقسمها في ثلاث؛ لذلك كان صامتا عن مصادره. المهم البنية لا التاريخ.
82
ويظهر الله كموضوع في قضية حملية يكون المحمول فيها وجود الموضوع دائما وضروريا وبإطلاق، مثل: الله حق، والفلك متحرك أو أزلي. فالله موضوع منطقي، كما أن صفاته تعزى إلى الطبيعة مثل الفلك أزلي. القضية الأولى طبيعيات مقلوبة إلى أعلى ، والثانية إلهيات مقلوبة إلى أسفل. ويبدأ المقال بالبسملة وطلب العون بلطف الله، والصلاة والسلام على محمد وآله، وينتهي بالحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد الكريم.
83 (ز) و«في جهات النتائج» في المقاييس المركبة يتصدر أرسطو والحكيم، ثم الإسكندر، ثم ثامسطيوس وثاوفرسطس، ثم أوديموس. ومن الفرق يتصدر القدماء، ثم قدماء المشائين، ثم المشاءون والمتأخرون.
84
يعرض ابن رشد القضية ثم يحاول التعرف على بنية المذاهب فيها. والقضية هي مذهب أرسطو في جهات النتائج الحادثة عن المقاييس المركبة من مقدمتين مختلطتين ذوات الجهات الثلاث، وهو المذهب الحق بالرغم من إمكانية نقده وتصحيح بعض دعاويه واستدلالاته. يحب ابن رشد أرسطو، ولكن حبه للحق أعظم، وهو مذهب يجعل نتائج المقاييس المركبة في الشكل الأول من الضرورية والوجودية تابعة في الجهة لجهة المقدمة الكبرى؛ فالإنتاج بحسب أشرف الجهتين. وخطأ الشراح أنهم جعلوه من جهة أحسن الجهتين، وكأن المنطق يخضع للقيمة، وأن أشكال القياس خاضع لسلم القيم. ويستقي ابن رشد مذهب أرسطو من مصادره الأولى، وليس من أقوال الشراح رجوعا إلى الأصل. يرفض تأويل الشراح ويعود إلى أصول أرسطو بلا تأويل. وهو موقف ظاهري يرفض التأويل، مع أن كل قراءة تأويل، سواء من الشراح لأرسطو أو من ابن رشد للشراح لأرسطو، في حين أن ابن رشد المتكلم الفيلسوف يقوم بالتأويل حتى تتفق النصوص مع اجتهادات الفلاسفة في قدم العالم وخلود النفس الكلية.
85
ويحدد ابن رشد قصد أرسطو عن طريق تعميم الخصوص وتخصيص العموم كما يفعل الأصولي، وهو صحة الإنتاج الذي يوجد فيه شرط المقول على الكل. ويحيل إلى مقاله الآخر في الموضوع. وقد صرح أرسطو نفسه بهذا القصد وهذا الشرط. غرض ابن رشد بيان أن مذهب أرسطو هو الحق، وهو مذهبه في جهات النتائج الحادثة عن المقاييس المركبة من حقيقتين مختلطتين من المقدمات ذوات الجهات الثلاث، لا ما توهم ثاوفرسطس وثامسطيوس وكثير من قدماء المشائين طبقا لظاهر قول أرسطو، لا على ما أوله الإسكندر أو أبو النصر تابعا له. يحدد ابن رشد الغرض من المقال، وهو إنقاذ مذهب أرسطو من سوء التأويل عائدا إلى قول أرسطو نفسه طبقا لظاهر قوله. ويبدو ظاهري النزعة ضد التأويل إن كان إخراجا للقول عن معناه الصحيح؛ وبالتالي فإن صحة مذهب ابن رشد ليست قطعية مبدئية، بل تعتمد على فهم ظاهر المقول وبناء على الأمر نفسه؛ أي تجريبيا. ويبحث عن الموضوع، ويستدل من المقدمات على النتائج، ويصف مسار فكر أرسطو موازيا لمسار فكره. يقيم السابقين ويصحح تأويلاتهم، ويبحث عن الصواب والخطأ، ويحكم بعد المداولة، مثل التحقق من الخصومة بين الفريقين. وابن رشد هو الذي يقول وليس أرسطو. يشرح نص الشراح شارحين نص أرسطو على مستوى القول، وفي نفس الوقت يرى الموضوع نفسه ويراجع عليه القولين السابقين على النحو الآتي: