39
للفارابي الأولوية على ابن سينا ثلاثة أضعاف؛ لأنه شارح أرسطو، وابن سينا منحرف عنه بأفلاطونيته وفلسفته المشرقية.
ولا يذكر ابن طفيل أستاذه ربما لإشراقياته، أو الكندي ربما لعدم وصوله للأندلس، وهو المنطقي الطبيعي مثل ابن رشد. ويحال إلى عدة كتب، مثل «البرهان» و«الموجودات المتغيرة» للفارابي، ثم شرح كتاب «القياس» وتلخيص كتاب «القياس» لابن رشد نفسه،
40
ثم «العبارة» و«السفسطة» و«التحليل» للفارابي، و«النجاة» و«الشفاء» لابن سينا، و«المسائل المنطقية» لابن رشد، وكتاب أبي عبد الله ملك بن وهيب وكتاب الفراء. ومن المجموعات يذكر المفسرون، ثم المشاءون، ثم الأطباء، وأخيرا المتكلمون.
41
ولا تذكر آية قرآنية واحدة أو حديث نبوي أو إشارة إلى الدين تقلل من طابع المقالات المنطقية التجريدية الصعبة على العامة ولا تحركها، على عكس ثلاثية ابن رشد الفلسفية «الفصل» و«المناهج» و«التهافت». كما لا توجد إحالات إلى العقيدة أو إلى الشريعة. هناك فقط إحالة إلى المتكلمين من أهل زماننا، وهناك أيضا تفسير عن الطبيعة بلغة القيمة، الأشرف والأكرم والأفضل. والقيمة تنظير العقيدة، والأخلاق أساس الدين؛ فالعقل كائن شريف، والطبيعة تتجه نحو الكمال والأشرف، وفي التعالي يتم الاتحاد بين الأخلاق والدين. ومن وجهة نظري العلم الطبيعي هذا خلاط بين العلمين، بين الموضوعية والذاتية، بين الطبيعة والأخلاق، بين الإخبار والإنشاء، بين العلم والدين. والحقيقة أن الطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أسفل، والإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أعلى، ويتم التعبير عن كليهما بلغة إنسانية خالصة.
وبالنسبة للمقالات الطبيعية الثلاث، اثنان منها تمثل للوافد «في المزاج»، «في البذور والزروع»، وواحدة فقط في المقالة السابعة والثامنة من «السماع الطبيعي» لأرسطو في تمثل الوافد قبل تنظير الموروث. يأتي أرسطو أولا، ثم يحيى النحوي، ثم أفلاطون، ثم أبقراط وجالينوس.
42
ومن الموروث لا يظهر إلا الفارابي، ومن كتب أرسطو يحال إلى القياس ثم البرهان ثم الجدل ثم السماع الطبيعي والسماء والعالم، وشرح القياس لثامسطيوس. ويخطئ ابن رشد جالينوس ويصوب أرسطو. ومن الموروث لا يذكر إلا كتاب الموجودات المتغيرة للفارابي. ومن المجموعات يذكر القدماء، ثم الفلاسفة المفسرون، ومعهم المتكلمون «من أهل ملتنا».
وبمقارنة جدل الوافد والموروث في المقالات الثمانية عشرة يأتي الفارابي شارحا أرسطو قبل الإسكندر، ثم يأتي ابن سينا بعد الإسكندر، مع أن الانتقاد الأكثر لابن سينا. ومن حيث الإحالات إلى أسماء الكتب تأتي الإحالات إلى كتب أرسطو قبل الإحالات إلى كتب الفارابي، وكتب الفارابي قبل كتب ابن سينا، وكتب ابن سينا قبل كتب ثامسطيوس وأبى عبد الله ملك بن وهيب والفراء جالينوس. فالإحالات إلى أرسطو أولا، ثم إلى الفارابي ثانيا، ثم إلى ابن رشد ثالثا، ثم إلى ابن سينا رابعا، ثم إلى ثامسطيوس وجالينوس وابن وهيب والفراء خامسا.
43
وأهمية تحليل المضمون الكشف عن توجهات النص وكيفية الإشارة إلى أرسطو وبأي أفعال، القول أو البيان، كمؤشرات على مسار الفكر نحو الغاية والقصد. وميزة هذا التحليل الكمي الكيفي لمعرفة كيفية التحول من النقل إلى الإبداع بأسماء الحكماء، وتردد ذكرهم، وأسماء الكتب والمجموعات، وترددها أيضا. وتقع الحيرة في اختلاف المقاييس بين عدد الأسماء وعدد ترددها أيها أكثر دلالة؛ فقد تكون الأسماء أكثر وترددها ضعيف، وقد تكون أقل وتردها أكثر. وفي هذه الحالة يتم الجمع بين عديد من المؤشرات لإصدار الحكم العام حول جدل الوافد والموروث. ولا تدل كثرة ترداد الأسماء على التبعية؛ فقد تعني النقد والهجوم، كما هو الحال في ذكر ابن رشد لابن سينا. كما يدل الانتهاء إلى نفس النتيجة من قراءتين متباعدتين على صدقها.