وتمثل هذه المقالات المنطقية والطبيعية مرحلة أخرى للتحول من النقل إلى الإبداع، وهي تأليف صغير في موضوعات دقيقة لممارسة عملية تمثل الوافد قبل تنظير الموروث، وإحداث التقارب بين المحوي والحاوي، بين المادة والوعاء. وهو نوع أدبي جديد يشمل الأنواع السابقة؛ الشرح والتلخيص والجوامع والعرض والتأليف والتراكم. فيه «قال أرسطو» اعتمادا على النص، وفيها تجاوز أرسطو.
44
واختيار الموضوع له دلالته، المنطق والطبيعة دون الإلهيات، وهي الموضوعات التي يعتريها الشك وسوء التأويل من أجل التصحيح والعودة إلى الأصول.
ولا يمكن فهم هذه المقالات إلا في إطار المشروع الكلي لابن رشد، التفسير والتلخيص والجامع والعرض الجزئي والتأليف والتراكم، والمراحل من تمثل الوافد حتى الإبداع الخالص، وهي أقرب إلى الجوامع منها إلى الشروح التلخيصات. هو تأليف نقدي يتمثل الوافد قبل تنظير الموروث. هي دراسة على دراسة، مع عودة إلى الأصل ومعرفة الحق النقلي والعقلي والطبيعي. هو تأليف على تأليف، خطوة نحو التراكم الفلسفي، تعشيق الوافد في الموروث. لا يوجد «قال أرسطو» بقدر ما يوجد نقد الشراح السابقين. مهمة ابن رشد في كل الحالات تخليص النص مما علق به من شوائب الشراح والمتكلمين، والعودة إلى الأصول الأولى قبل انحرافها، وكما هو الحال في كل معركة إصلاحية تنقذ النص الأول من براثن الشراح. ويعيد المراجعة على مدى فترات حياته، كما راجع بداية المجتهد بعد عشرين عاما، وأضاف إليه كتاب «الحجج» (عام 584ه). كما اقتضى تلخيص القياس المراجعة، وكما تحيل الجوامع إلى التفسير الكبير.
وموضوعات المقالات في المنطق والطبيعيات تبدو علمية صرفة باردة مجردة لا حياة فيها، بالرغم من أنها تجارب حية عند ابن رشد، تعيش في وجدانه، وتظهر وحدة مشروعه، الوافد والموروث والواقع، بالرغم من المقالات الصغيرة المساندة في نقد التراث المنطقي والطبيعي، وتأويلات الشراح القدماء والمحدثين التي شوهت تعاليم أرسطو؛ لأنها لم تدرك مقاصده في تحديد النتائج المتولدة عن المقاييس المركبة من المقدمات الضرورية والمتعلقة والممكنة؛ لعدم فهم معنى المقدمات المطلقة والضرورية، وعدم تنبههم إلى أن الأمر يتعلق بوجود القضايا لا مادتها.
45
شروح ابن رشد دفاع عن صلة العقل بالنقل ضد الحشوية الذين يقولون بالنقل دون العقل، وضد الغزالي الذي ينكر على الحكمة استخدام العقل، وضد الشراح، يونان ومسلمين، الذين يسيئون تأويل أرسطو، وضد الباطنية الذين يقضون على النقل كلية لحساب التأويل الباطني؛ فصلة العقل بالنقل أو الحكمة بالشريعة وضرورة التأويل هو مفتاح ابن رشد.
ويغلب على المقالات المنطقية، وهي أكبرها، منطق البرهان، المقولات، والعبارة والقياس والبرهان، وليس منطق الظن؛ الجدل والسفسطة والخطابة والشعر. بالرغم من أن جمع مقالات المنطق والطبيعة مجرد عرض من صنع الناشر، إلا أن دلالته الفكرية أعمق في الصلة بين العقل والطبيعة، بين الذات والموضوع. وما الإلهيات إلا تطابق العقل والطبيعة حتى تظهر الوحدة بين النص والعقل والطبيعة بعيدا عن تشخيص الوحدة في الإلهيات، والقضاء على العقل باسم الوحي، وتدبير الطبيعة باسم الإرادة الإلهية.
ويغلب على المقالات الطابع النقدي؛ فتمثل الوافد لا يعني مجرد الاستيعاب وحسن الاستقبال، بل التمثل الإيجابي؛ رفض الصحيح ونقد سوء التأويل
46
ولا فرق في النقد بين الشراح اليونان والشراح المسلمين. وأغلب النقد موجه لابن سينا، في حين يبدو الفارابي أكثر فهما لأرسطو. يبدو واضحا لأنه هو الوسيلة إلى أرسطو والشارح له، وهو أقرب إلى ابن رشد لاعتماده كليا على العقل الصريح. وتكشف عناوين المقالات المنطقية الخمسة عشرة عن الخلاف بين أرسطو وشراحه، يونان ومسلمين؛ فالشرح تأويل، والتأويل اتصال وانقطاع. ويمكن معرفة ذلك بتحليل عناوين المقالات.