تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

وكما يبدأ بالبسملات ينتهي بالحمدلات والصلوات الطيبات على الرسول. وتختلف النهايات الإيمانية من ناسخ إلى آخر طبقا لانفعالاته الخاصة.

19 (2) ابن رشد

وبالرغم من أن ابن رشد «الشارح الأعظم» صاحب التقارير والتلخيصات والجوامع، إلا أن بعض أعماله تصب في تمثل الوافد تنظير الموروث. (أ) ويعتبر «الكليات» في الطب لابن رشد (595ه) من نفس النوع.

20

ومن العنوان يمكن استنباط المضمون؛ فالطب صناعة فاعلة من مبادئ صادقة، عمل يقوم على نظر، مجموعة من القوانين العامة تنتظم جميع الأبدان بلا فروق فردية بينها؛ فالطب علم طبيعي، وهو في نفس الوقت جزء من منظومة علوم الحكمة الثلاثية بعد المنطق وقبل الإلهيات. يقوم على النظر والمنطق، وفي نفس الوقت يستند إلى التجربة والمشاهدة، النظر في الأسباب والقيام بالمعالجات؛ فهو علم يجمع بين الكليات والجزئيات، بين البسيط والمركب، بين الأعلى والأدنى، وهي نفس الطريقة التي عرض بها بدن الإنسان في ترتيب الفصول من الأعلى إلى الأدنى طبقا لقيمة الموضوعات. يدرس ابن رشد التصورات الفلسفية في الطب، أي الكليات؛ ومن ثم يعتمد الطب على المنطق، والقسمة المنطقية. ويميز بين الأقاويل الجدلية والخطابية في الطب، ويحيلها إلى أقاويل برهانية؛ لذلك يرفض أن تكون أقوال الكنانيش مصدرا للطب، مجرد المنقول دون المعقول، وهي أقوال جزئية دون قوانين كلية. تدرس الأمراض في كلياتها، أي أمراض البدن وليست أمراض عضو عضو، الطب العام قبل التخصصات الجزئية؛ لذلك يكتب ابن رشد على سبيل الإيجاز والاقتصار مع تحقيق غرضه وقصده.

21

والقصد مزدوج، معرفة الصناعة، والتحقق من صدقها، ومراجعة أقوال القدماء كاستطراد ضروري يعود بعدها ابن رشد إلى الموضوع؛ لذلك تكثر أفعال البيان والتوضيح.

22

ونظرا لوحدة العمل تضم الأجزاء إلى الكل باستمرار بداية بالمنطق والقيمة.

23

والأساس الثاني الذي يقوم على الطب هو التجربة والمشاهدة والملاحظة؛ فالعقل والمنطق والقياس والبرهان لأحكام الخطاب الطبي في داخله، ولكن مادته تأتي من الطبيعة والتجربة؛ لذلك كان الطب جزءا من الطبيعيات التي تقوم على العلل والأسباب. والجسم موضوع مشترك بين الاثنين، علم الطبيعة وعلم الطب، وهو الطباع. وعالم الطبيعة هو الذي يعطي البرهان على المبادئ العامة لا الطبيب؛ فالجسم حالة خاصة في الطبيعة. وعن طريق معرفة العلل والأسباب يمكن التنبؤ بحالات المرض على ما هو معروف في تقدمة المعرفة؛ أي العلم المسبق بوقوع الأحداث. وإذا كانت صناعة الأدوية جزءا من علم الطب جمعا بين النظر والعمل، بين التشخيص والعلاج، ظهرت ضرورة التجربة مع القياس، والجزئيات مع الكليات. ولو أن ابن رشد اقتصر على الكليات وترك الجزئيات ليكتب فيها ابن زهر «التيسير» بناء على طلبه. وقد كان ابن رشد يود تأليف كتاب آخر يطبق فيه قوانينه في الكليات ضاما الأجزاء إلى كلياتها إذا ما أنسأ الله في العمر.

24

ويتقدم الوافد الموروث. وفي الوافد يتقدم جالينوس، ثم أبقراط، ثم أرسطو، ثم أركيغانس وأندروماخوس وبولس وأرسطراطيس. ومن أسماء البلاد بلاد اليونانيين وبلاد الروم .

25

والإحالة إلى الوافد استطراد خارج الموضوع نظرا لاعتماد الطب كعلم على الإبداع الداخلي دونما حاجة إلى النقل الخارجي، يظهر ويختفي طبقا للمواضع الفلسفية. ويدافع ابن رشد عن جالينوس طول الوقت ليس تقليدا له أو نقلا عنه، بل لأنه يمثل إجماع الأطباء. وفي نفس الوقت ينقد ابن رشد جالينوس في كتاب «المزاج»؛ لأن أقواليه غير برهانية، بعكس كتاب «الأسطقسات». ويدخل في ثنايا أقواله، ويعبر عن المسكوت عنه. ويدرس الواقع الطبي ويراجع عليه الأقوال.

26

يورد براهين جالينوس العلمية بلفظ القول وفي حالة الاتفاق معها، وبلفظ الزعم في حالة الاختلاف معها. ويدخل في مساره الفكري ليراجع براهينه. ويرى ابن رشد ما يراه جالينوس، ويصف مسار فكره للتحقق من صحة الاستدلال وصدق الرؤية؛ لذلك كثر استعمال ألفاظ نص، شهد، أدرج، حمد، قصد، وصف، أصبح، حكى، ظن، اعتاص، أنكر، حمد، رأى، صرح، اعترف.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٨٦