7
ومع ذلك يدرس ابن زهر، وجالينوس يؤكد النتائج كنوع من تحقيق المناط في فهم أقوال جالينوس، ليس من داخلها عن طريق اللغة، وكما هو الحال في استنباط العلة من الأصل عند الأصوليين، بل من خارجها بالتحقق من وجود العلة في الفرع، نتيجة دراسة الحالة.
8
ويقارن بين المذاهب الطبية، خاصة بين أرسطو والمشائين من ناحية وجالينوس من ناحية أخرى، وبين أبقراط وجالينوس، ويجده أقرب إلى أرسطو بناء على بنية المذهب الطبي، واعتمادا على العقل والتجربة. ويلجأ إلى تجربة العوام؛ أي إلى التجربة البشرية لمعرفة الطبيعة؛
9
فالعوام هنا عامل إيجابي، وليست عاملا سلبيا كما هو الحال في الكلام والفلسفة والتصوف، في إلجام العوام عن علم الكلام، وبعدهم عن التأويل، وعدم التصريح لهم بالحكمة.
10
لذلك تكثر تعبيرات «كما قال جالينوس»، «كلام جالينوس»؛ مما يدل مراجعة أقواله على العقل والتجربة. وكثيرا ما ترك جالينوس أقواله بلا تعليل أو برهان.
11
ويفرق ابن زهر بين الاسم والمسمى، وعينه عن المسمى دون الاسم؛ فالاختلاف أحيانا بين الأطباء يرجع إلى الأسماء أكثر مما يرجع إلى المسميات. وقد تختلف الأسماء من حضارة إلى حضارة بالرغم من اتفاق المسميات. كما يرفع ابن زهر التعارض بين أقوال جالينوس، كما هو الحال في علم الأصول في باب التعارض والتراجيح، والإضافة إلى أفعال القول نظير أفعال الاستعمال والعلاج والرؤية والإبداع؛ أي الأعمال الطبية.
12
كما يذكر بعض أفعال المعرفة، مثل أجمع وزعم أو كره، بالنسبة للأطباء؛ فلا فرق بين أفعال النظر وأفعال الشعور.
13
ويستعمل أسلوب الرد على الاعتراض مسبقا، كما هو الحال في الأسلوب الفلسفي الكلامي والفقهي. وبالرغم من تقطيع الناسخ النص وتقديمه بذكر صاحبه، فإن الأسلوب يذكر بما فات ويعلن عما هو آت؛ تأكيدا على وحدة العمل وضم الأجزاء إلى كل واحد. بالإضافة إلى مخاطبة القارئ؛ فالعمل العلمي مشروع مشترك بين المؤلف والقارئ. وكثيرا ما يتم التذكير بالعودة إلى الموضوع درءا للاستطراد.
14
أما الموروث فيأتي الأب في المقدمة، «أبي، رحمه الله»، ثم عبد الملك الجد، ثم أبو المطرف ابن وافد، ثم سفيان طبيب علي بن يوسف، ابن فضيل من الأطباء النائبة المبتدئين. ومن الأسماء يأتي الشقي علي بن يوسف والي قرطبة، ثم ولد الشقي علي، ثم ابن رزين أحد ثوار الأندلس، محمد بن عمر، أبو عبد الله، ثم بواذودين، والثريا الجارية، وقمر المحظية، وابن الزهراء الشقي سنقور علي بن بدوينا، وابن فضيل، ويحيى بن يمور.
15
والعجيب عدم ذكر الكندي والرازي وابن سينا والبيروني وابن رشد، والاكتفاء بأبيه وجده عبد الملك؛ فالأب مصدر معلوماته الطبية، ومصدر إجابته عن تساؤلات نظرا لخبرته الطبية الموروثة. وبالإضافة إلى الموروث الطبي من الأب والجد تأتي تجربته الخاصة. ويظهر الأسلوب القرآني والنبوي المرسل من الذاكرة، مثل «فضلوا وأضلوا»، وسوء العاقبة. كما يظهر الأسلوب العربي في ضرب المثل بزيد أو عمرو. والطب دعوة إلى التقوى، والحفاظ على الصحة، والتنبيه على أخطار الانغماس في الحياة الدنيا، كما يفعل المترفون؛ فالأخلاق شرط الصحة. وتظهر بعض المصطلحات الطبية الأندلسية؛ مما قد يوحي ببعض التجاوز اللغوي نظرا لعدم التعود عليها في باقي الأمصار.
16
كما يظهر تاريخ الأندلس ومدنه، مثل إشبيليا، وبرشلونة، وسنتمرية، مراكش. كما يظهر سكان المدن، مثل «الطليطليون».
17
ومع العقل والتجربة دعامتي الوافد يضاف الوحي وعامة الموروث؛ نظرا لوحدة الوحي والعقل والطبيعة، فيظهر الله على أنه سبب العلل في الطبيعة؛ فقد أودع الله في الكائن الحي قوى تفعل في الجسم بالرغم من أن الشفاء من الله، وشرب الدواء بعد استخارة الله؛ مما يكشف عن أشعرية حتى النخاع. نجاح الطبيب في الشفاء بتوفيق من الله، وفشله من اجتهاده الخاص؛ فالخير من الله، والشر من النفس، تبرئة للآخر واتهاما للذات. وكل شيء بسابق علم الله وقدره، وعلمه لا تنتهي إليه عقول البشر؛ فالأسباب من البدن، والمسببات من الله، والشفاء بإذن الله.