59
ويضرب المثل بتاريخ الطبري على التأليف الواحد، وربيعة بن مكرم على الواحد بالعدد، مثل السعداء. كما يحيل إلى مؤلفاته هو، مثل كتاب التوحيد ورسالة الوداع والوحدة.
60
ويحيل من أسماء الفرق إلى المتصوفين، ثم إلى العرب وأهل التناسخ.
61 (د) وفي «الوقوف على العقل الفعال» يظهر الوافد عند جالينوس ثم الحكيم. ويحال إلى «حيلة البربر» وإلى «السماع».
62
وينقد ابن باجه جالينوس لأنه ظن أن البهائم تدرك الأنواع، وأخطأ في قوله إن الحمار يدرك الطريق الكلي خالطا بين العقل والخيال؛ وذلك بسبب قلة المراس وتعظيم الطب والمنطق في آن واحد. ويحيل إلى الثانية من «السماع» في التمييز بين الجسم الذي لا يتكون ولا يفسد، والجسم الذي يتكون ويفسد. ويستشهد بقول الحكيم عن العتبي إن آخر الفكرة أول العمل، وآخر العمل أول الفكرة، في موضوع الصلة بين النظر والعمل. وما زال لفظ الأسطقسات مستعملا. ومن الموروث يحال إلى أبي نصر وإلى البرهان في موضوع تحصيل الأصناف الثمانية.
63
| سابعا: ابن زهر وابن رشد والعرضي
(1) ابن زهر
ولم ينقطع «تمثل الوافد وتنظير الموروث» على طول التاريخ، بل استمر إلى عصر متأخر بعد القرن الخامس، واستبعاد الغزالي الوافد لصالح الموروث. استمر ذلك عند ابن زهر وابن رشد في القرن السادس، في الطب وفي الحكمة وفي العلم وفي الفلسفة على حد سواء. ويعتبر كتاب «التيسير في المداواة والتدبير» لابن زهر (557ه) نموذجا لذلك.
1
وقد اعتبره ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس. ألف الكتاب بناء على طلب عزيز من ابن رشد، وليس من السلطان كما هي العادة.
2
وله عدة مؤلفات أخرى يغلب عليها الطابع الإبداعي نظرا لنقده طريقة «الكنانيش» التي يجمع فيها الطبيب آراء السابقين دون أن يكون له رأي خاص أو مساهمة خاصة في تطوير العلم؛
3
لذلك ينقد التقليد والنقل والمذكرات والكتب المقررة، ولا يعتمد على المصادر إلا في الأدوية المركبة التي يذكر ابن زهر أهمها؛ فالعلم في جوهره تقدم من القدماء إلى المحدثين، وتحول من النقل إلى الإبداع، ليس فقط في حياة الحضارة، بل في حياة الفرد. وقد ينقد مؤلفاته السابقة، مثل «كتاب الزينة»، ويقوم بعملية النقد الذاتي على مراحل العمر لرؤية نضجه وتطوره من الشباب إلى الرجولة، وينقد الأصدقاء حتى ابن رشد.
4
غلب على الكتاب الطابع العملي العلاجي الدوائي. اكتفى ابن رشد بالكليات، وطلب منه كتابة الجزئيات. اختص ابن رشد بالحكمة، وابن زهر بالصنعة؛ لذلك أتى مختصرا عمليا، واضح الترتيب، دقيق العرض، سهل الأسلوب، تعليمي الإنشاء. وضع فيه من الذكريات والتجارب الشخصية كما يفعل الأطباء الأدباء. كما يعتمد على دراسة الحالة، كما هو الحال في الطب الغربي الحديث، إما حالة مروية من الجد والأب، أو حالة عرفها الحفيد في شبابه.
5
اعتمد منهج القياس والتجربة، العقل والطبيعة؛ لذلك حارب الخرافات والأباطيل، وكافح الدجالين والمنجمين، وحطم التقاليد، مثل ابن رشد في الفلسفة، وابن الهيثم في الرياضيات. وبالرغم من أنه جالينوسي المذهب إلا أن له شخصية مستقلة، وتميز عنه بأساليب التشخيص والمعالجة غير التي وضعها جالينوس. الطب علم نظري وعملي في آن واحد. يرتبط بالحكمة والصيدلة، ويرد العجز إلى الصدر للبحث عن الاتساق. وينبه على الخلط بين مصطلحات الطب ومصطلحات الكلام حتى لا يقع التباس بسبب الأسماء المشتركة.
ويبدو الوافد أكثر حضورا في العمق، وإن كان الموروث أكثر حضورا في الاتساع؛ فقد ذكر أربعة أعلام من اليونان، يتصدرهم جالينوس ثم أبقراط ثم أرسطو ثم بطليموس. ومن أسماء الفرق يذكر «الفيلسوف» و«المشاءون»؛
6
فجالينوس زعيم الأطباء جميعا بما فيهم ابن زهر تعبيرا عن تواضع العلماء، وتعلم المحدثين من القدماء، والتقدم بالشرف قبل أن يكون بالزمان. وهذا لا يمنع من تقدم العلم وإكمال ابن زهر بما تركه جالينوس ناقصا، ومراجعة أقوال جالينوس على العقل والتجربة، فما اتفق معهما كان علما، وما خالفهما كان في حاجة إلى مراجعة وتصحيح؛ فإذا ما تعارض النقل عن القدماء من ناحية مع العقل والتجربة من المحدثين من ناحية أخرى، فالأولوية للمحدثين على القدماء؛ لذلك كان من الضروري معرفة أنواع الأقاويل المنطقية؛ فإن الإقناع والسفسطة والتمثل والجدل لا يغني ذلك كله عن البرهان عنده وعند ابن رشد. ومن الضروري أيضا تحويل الطب النبوي النقلي إلى طب عقلي تجريبي؛ ففي العقل والتجربة يجتمع الوافد والموروث.