51
ويستعمل ابن باجه أسلوب الفقهاء في السؤال والجواب والاعتراض والرد عليه مسبقا. كما يستشهد بالشعر العربي على التشوق الفكري، تشوق الصواب الذي للإنسان خاصة؛ لذلك يقال: نزعتني نفسي، قلت لنفسي في خلاء ألومها، وقول قطري الشاعر. كما أن القوة الفكرية والقوة النزوعية يدل عليهما بالنفس كما قال المعري في شعره. فالتجربة الشعرية مصداق للتجربة الفلسفية.
52
كما يستعمل الأسلوب العربي، زيد وعمرو، كفاعل أو مبتدأ؛ مما يدل على التأليف والأسلوب غير المباشر. ويضرب المثل بعنقاء مغرب وعنز أيل على تصورات غير موجودة وغير مطابقة للواقع.
53
ويظهر أسلوب الكنى في مخاطبة القارئ، وتظهر الأندلس كبيئة جغرافية محلية، وليس الوافد؛ فكتب الفارابي كلها لم تصل إلى الأندلس.
54
وتظهر بعض الموضوعات الدينية؛ فيضرب ابن باجه أمثلة من علم العقائد على الزمان المتصل، مثل نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، وأن عدم الله كان متصلا قبل خلق الله العالم. ويستشهد بآيتين قرآنيتين؛ الأولى عن الراسخين في العلم لإثبات حض الشريعة على العلم، والثانية عن خشية العلماء من الله؛ لأن من علم الله تقرب إليه. ويستشهد بحديثين نبويين؛ الأول عن أن خير الأمور الوسط، والثاني الحديث القدسي المشهور على أن أول ما خلق الله خلق العقل. ويضرب المثل على إهمال البدن بمحمد بن عبد السلام من بلنسيا، والمستظهر من بني أمية في الأندلس. كما يضرب المثل على الاعتناء بالبدن والخوف عليه بعلي ابن السلمي.
55
وتتميز رسالة الوداع بجمال الاسم وشجنه وطابعه العاطفي الذي يعبر عن هموم قصر العمر؛ فالإنسان قادم ومغادر، ويترك رسالة للأصحاب في اليوم الأخير في حياة سقراط الذي يحاور فيه تلاميذه عن خلود النفس، أو الليلة الأخيرة في حياة المسيح الذي يلتقي فيها بحوارييه، ويبلغهم أن نفسه حزينة حتى الموت. موضوعها علم النفس أو اللذة العقلية، أقرب إلى الموضوعات الفردية دون الاجتماعية. وتعتمد على تفضيل الفارابي العامل الجاهل على التارك العالم في «فصول المدني». كان العلم في ذلك الوقت العلم بكتب أرسطو. ويعتز ابن باجه بمعلمه الفارابي وبمكانته في العلم، بالرغم من ندرة كتبه في الأندلس، وإن وجدت فإنها قد يشوبها النقص الذي يكمله ابن باجه؛ فمسار الوعي الفلسفي من نقل الأصل الأرسطي إلى شرح الفارابي تحولا من النقل إلى الإبداع إلى إبداع ابن باجه وإعادة بناء الموضوع كله. ومع ذلك هناك قلق في التأليف؛ مما يدل على أن الإبداع لم يحكم بعد.
56 (ج) وفي «اتصال العقل بالإنسان» يحال إلى أرسطو، ثم أفلاطون، ثم سقراط وهرمس والإسكندر. ومن مؤلفات أرسطو يحال إلى كتاب «النفس»، ثم إلى «ما بعد الطبيعة»، ثم إلى باري أرمنياس والمقولات والحيوان ومنافع الأعضاء.
57
ويرفض ابن باجه نظرية المثل عند أفلاطون، مثل رفض أرسطو لها، ويبين ما ينتج عنها من محاولات؛ مما يكشف عن نزعة واقعية مشتركة بين الحضارة الإسلامية وأرسطو. ويشير إلى أسطورة الكهف عند أفلاطون، وهي ألغاز مناسبة لأحواله، ووصف السعداء الناظرين إلى الشمس. ويستشهد بقول الإسكندر إن المحرك هو المتحرك بعينه في كتاب الصور الروحانية، وإنه واحد بالعدد تأرجحا بين الفلسفة والتصوف. ويستشهد بقول سقراط في الصورة إنها الخير والجميل وليس المعنى، وهي قراءة أفلاطونية لسقراط؛ فأفلاطون يقول بالصورة في حين أن سقراط يقول بالمعنى.
58
ومن الموروث يحال إلى الفارابي وربيعة بن مكرم، ثم جرير وامرئ القيس، لا فرق بين الفلاسفة والشعراء. يحيل ابن باجه إلى معاني الواحد في ما بعد الطبيعة، والتي لخصها الفارابي في كتابه في الوحدة. كما يحيل إليه في القوة الناطقة التي تقال على الصورة الروحانية؛ لأنها تقبل العقل، كما تقال على العقل بالفعل؛ لذلك تشكك الفارابي عما إذا كانت موجودة في الطفل تمنعها الرطوبة أم توجد فيما بعد؛ فابن باجه يتعامل مع الوافد بعد أن أصبح موروثا. ويرفض قول أهل التناسخ في الصور الروحانية الواحدة، ووجود المعقولات في أجسام واحدة، وهو ما رفضه أهل التناسخ أنفسهم. ويستشهد ابن باجه بحذف الرابطة في القضية المحلية، والتي تشير إلى فعل الكينونة، على عكس باقي الألسنة، وهي القضية التي عالجها الفارابي.