43
ومع ذلك يظل «تدبير المتوحد» أقرب إلى الفرد منه إلى الجماعة. الباب الأول في العلم المدني منذ البداية، وفي الباب الثاني تتحول السياسة إلى النفس، ويظل السؤال قائما: ماذا يعني «تدبير المتوحد»؟ هل هو الإنسان الطبيعي الذي أفسده المجتمع فيترك المدن الجاهلة حرصا على نقائه؟
44
وفي هذه الحالة كيف يتم تحقيق المدينة الفاضلة في الواقع؟ (ب) وفي «رسالة الوداع» يتصدر تمثل الوافد على تنظير الموروث، ويتصدر أرسطو الوافد، ثم أفلاطون وسقراط. ومن أسماء الفرق المفسرون المشاءون. ويحال إلى نيقوماخيا، ثم إلى الأخلاق والحيوان وفادون (أفلاطون)، ثم إلى السماع والسياسة والنفس.
45
ويفصل ابن باجه ما تركه أرسطو مهملا في الحادية عشرة من «الأخلاق»؛ لأنه لا يوضح دائما ما يريد إبطاله. وفي نفس الوقت يبين ابن باجه مواطن التطويل والإطناب في أرسطو وأفلاطون؛ فمهمة التأليف إجمال المفصل، وتفصيل المجمل، ومعرفة وجه إبطال أرسطو للشيء. يدرس ابن باجه موضوعا ثم يتحقق من صدق قول أرسطو أو الاستشهاد به، تأكيدا للإجماع الحضاري أو إجماع العقلاء، كما هو الحال في علم الأصول. كما يستشهد بأرسطو في السادسة من نيقوماخيا على أفعال العقل التي توجهها الحكمة، وبهرمس نموذج الفاضل في جميع الفضائل الشكلية. كما يحيل إلى كتاب الحيوان ارتباطا بالتراث السابق، وتفاديا لتكرار القديم، مع استمرار ظهور بعض المصطلحات الأولى منذ عصر الكندي، مثل «القنية». ولا يستأنف ابن باجه تحليله لما فعله أفلاطون في السياسة، وفي محاورة «فادون». ويستشهد بسقراط وسبب قوله بتناسخ الأرواح في المحاورة، ويقرؤها إسلاميا. ويستشهد بنار هرقليطس (أبوقليطس) وضوئها على ذهاب السن وانقضاء العمر، وأن لكل أجل كتابا، فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون. ولا يهم إذا كان أبوقليطس هو هرقليطس؛ فليس المقصود هو التحقق التاريخي، بل المثل كحامل، وليس المهم المثل بل الممثول.
46
كما يشير إلى المفسرين دون تحديد الوافد أو الموروث، وهم أهل الاختصاص في علم النفس في موضوع حدوث صورة للنزوع الغريزي في الخيال.
47
ومن الموروث يتصدر الفارابي، ثم الغزالي قبل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وصاحب الشريعة، وبعض أسماء الأعلام بين أمير وعالم وشاعر، والأماكن من البيئة المحلية، وأسماء الكتب والفرق.
48
ويمثل الفارابي بداية الوعي التاريخي الفلسفي؛ لذلك يرتبط ابن باجه به بالرغم من ندرة كتبه في الأندلس؛ مما يدل على فضل المشرق على المغرب.
49
كان ابن باجه حلقة اتصال بين المشرق والمغرب من خلال الفارابي وشروحه، مثل شرح نيقوماخيا، بل إن ابن باجه يقتبس من أبي نصر دعاء للتخفيف من ألم الشك في المعرفة وطلب اليقين.
50
ويأخذ ابن باجه نفس الموقف من الغزالي الذي أخذه في «تدبير المتوحد»، ولكن في سياق آخر؛ فيسميه «الرجل المعروف بأبي حامد الغزالي»، وكتابه الذي سماه «المنقذ من الضلال»، وقال إنه شاهد أمورا إلهية، وهي كلها ظنون ومثالات الحق وخيالاته؛ فهو رجل مغالط يدعي أن عجائب العالم العقلي أفضل من عجائب العالم المدني. ويمكن تصويب رأي الغزالي بما قيل في نيقوماخيا إن الأشرار متى خلوا إلى أنفسهم يتأملون، على عكس الأخيار، وكما هو الحال في المقالة الحادية عشرة. ما يقوله الغزالي في حاجة إلى برهان. كان هدفه التثبت فقط من صحة اعتقاده، وأنها لا عناد فيها. يدافع ابن باجه عن العالم العقلي، أما العالم الروحي عند الغزالي فمجرد خيال. يمكن إذن تصحيح تصوف الغزالي بأخلاق أرسطو. فإذا كان ابن باجه قد نقد الغزالي الصوفي لغياب البرهان، فإن ابن رشد قد نقده كأشعري لسوء البرهان. ومع ذلك ظل الغزالي صامدا على مدى ألف عام. كان ابن باجه يريد الجمع بين مشاهدات الصوفية وبراهين الحكماء، كما يروي عن اللقاء بين ابن عربي وابن رشد واقعا أم خيالا. الأول يشاهد ما يعلم الثاني، والثاني يعلم ما يشاهد الأول. ويضرب ابن باجه المثل بداود من بلاد بريطانيا المتقلب في الأديان، وتشوقه لاجتماعه به في مرسيه على معرفة الحق والالتذاذ بالعلم.