41
وبالرغم من تلقي المتوحد الفيض من العقل الفعال إلا أن ابن باجه ينقد الصوفية؛ لذلك جمع ابن باجه بين عقلانية أرسطو وروحانية أفلاطون، بين موضوعية أرسطو وذاتية أفلاطون، ومع ذلك كان أقرب إلى أفلاطونية أرسطو، في حين كان ابن رشد أقرب إلى أرسطو.
42
يظهر اتفاق العقل والوحي عند ابن سينا وابن طفيل، ويظهر اتفاق العقل والوحي والطبيعة عند ابن باجه وابن رشد.
التدبير طريق الصوفية الذي يتبعه الغزالي أيضا، ولكن ابن باجه يعتبر الغزالي من مفكري الدرجة الثانية رغم ادعائه الحصول على الحقيقة والوصول إليها؛ فالهجوم على الغزالي ورد الاعتبار للتصوف التأملي في «تدبير المتوحد» سابق على رد اعتبار ابن رشد للفلسفة في «تهافت التهافت». وإذا كان مشروع ابن باجه هو إحياء التراث الفلسفي في الأندلس خاصة، وفي الحضارة الإسلامية عامة، فإن «تدبير المتوحد» وإشراقياته العقلية خروج عن الموضوع، وتركيز على الصور الروحانية أكثر من التركيز على العلم المدني مثل إخوان الصفا. وهذا هو أحد أسباب عدم نجاح مشروع الإحياء الأندلسي، تصوف ابن باجه. وإذا كان ابن رشد استئنافا لمشروع الإحياء فإنه لم ينقد التصوف، واكتفى بالهجوم على الغزالي أشعريا؛ لأن الأشعرية سند التصوف؛ ربما لصحبته لابن عربي أو لتصوفه الخاص.
كما يبدو من العنوان «تدبير المتوحد» غلبة الجانب الفردي الصوفي على الجانب الاجتماعي السياسي؛ فإذا ما قسم ابن باجه المجتمعات فإن العقل هو مقياس التقسيم، أو الآراء بمعنى الفارابي؛ فالمجتمع الذي يسوده العقل هو المدينة الفاضلة، والنبي خارجها، والفلسفة مصدر السعادة فيها، والفيلسوف، وليس النبي هو المحقق لها، على عكس الفارابي وابن سينا اللذين جعلا النبي الفيلسوف أو الفيلسوف النبي رئيسا للمدينة. ولا يتساءل ابن باجه عن الشريعة أي النظام الاجتماعي، وعن السياسة أي عن السلطة السياسية. والمجتمعات التي لا يسودها العقل مدن بسيطة؛ فالبساطة هنا بمعنى قدحي، وهي أربعة: مجتمع المال الذي ذكره الفارابي وأفلاطون من قبل، ومجتمع الجماعية أي الشيوع والقبلية، ومجتمع التغلب أي التسلط، ومجتمع الإمامية أي محبة التقدم وليس الكهنوتية، مجتمع رجال الدين.
ومع ذلك يظل السؤال: هل موضوع «تدبير المتوحد» السياسة أم الأخلاق، المجتمع أو الفرد؟ هل استطاع ابن باجه استئناف مشروع الفارابي الاجتماعي في المدينة الفاضلة، أم أنه استأنف مشروعه المعرفي دون الاجتماعي؟ عند الفارابي الإنسان مدني بالطبع، ولكن عند ابن باجه متوحد بالطبع؛ وبهذا المعنى ربما يدل «تدبير المتوحد» على عدم نجاح الفلاسفة في السياسة العملية وبعد نظرتهم عن الواقع. قد يكون تراجعا مأساويا يعبر عن هزيمة التصوف التأملي بعيدا عن الواقع، والبداية بالنفس بدلا من المجتمع، وبالفرد بدلا من الجماعة، عودا من «المدينة الفاضلة» إلى «تدبير المتوحد». ربما أراد ابن باجه القيام بخطوة إلى الوراء من أجل التقدم إلى الأمام، العودة إلى الفرد من أجل التوجه نحو الجماعة، حتى تصبح المدينة الفاضلة ممكنة التحقيق. التدبير خطة العاقل في المجتمع الذي لا يسوده العقل، وهي المجتمعات الأربعة الناقصة، والتي لا يدين المتوحد لأي منها كرد فعل على الفشل السياسي ومحنة الأندلس. المتوحدون مثل النوابت، لا ينسحبون من المعركة، ولكن لا يدخلون إليها قبل الأوان. التوحد إعداد الذات وتربية المواطن قبل تأهيل الجماعة وبناء الوطن. المتوحد هو «العاكف على شأنه، الخبير بأهل زمانه». ومع ذلك يعكس العنوان التوحد ضد التجمع، التوحد أولا والتجمع ثانيا. ويبدو أن قبول الواقع والبداية به جعله ينعكس على ذاته ويرتد إلى نفسه صوفيا إشراقيا كنوع من المقاومة السلبية على المجتمع؛ فالمتوحد يذهب إلى المدنية بعقله، وإلى التصديق بقلبه، لا يهرب بجسده، بل بروحه؛ ومن ثم تتم المصالحة بين العقل والقلب، بين الفلسفة والحياة.