| ثالثا: الكندي
(1) الرسائل الفلسفية والطبيعة (أ) نظرا لأن الكندي (252ه) أول الفلاسفة، ويمثل تحولا من الترجمة إلى التأليف، ومن الكلام إلى الفلسفة، ظهر «تمثل الوافد» لديه بوضوح. وأهم ما يميز تأليف الكندي، مثل «رسالة إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى»، انفتاحه على الوافد إلى أقصى حد؛ مما ساعده على تمثله، ونقده إلى أقصى حد؛ مما ساعد على تجاوزه، الانفتاح على الآخر والاستقلال عنه، تقريظ القدماء وتطويرهم، والتأكيد على أهمية الأوائل وتصحيح أقوالهم، ضرورة البداية بالسلف وضرورة استمرار الخلف، الجمع بين القديم والجديد، أو بلغة العصر بين الأصالة والمعاصرة. أهم ما يميز الكندي إذن هو الوعي التاريخي العام بتطور الحضارات، وإكمال اللاحق منها السابق. وكما لا تستطيع حضارة واحدة أن تصل إلى كل شيء، كذلك لا يستطيع فرد واحد أن يعرف كل شيء. ومن هنا أتت ضرورة التكامل والتراكم والتعاون بين الحضارات؛ فكل حضارة لها المبرزون والعاديون. ونظرا لعدم استطاعة إنسان واحد بعمره القصير وجهده المحدود الوصول إلى الحقيقة، لزم تضافر الجهود، وتراكم الأعمار، ومساهمة الأجيال، وتعاون الأمم، وتكامل الحضارات. هناك شركة بين الحضارات وألفة بين الشعوب. وتتحقق هذه الوحدة الحضارية من خلال العمل . تتعاون الأمم حضاريا فيما بينها، ويساهم كل منها بدوره في صياغة حضارة إنسانية شاملة واحدة. يحدث التراكم الحضاري من أجل التقدم البشري. البشرية كلها مشروع بحث عن الحق والكشف عنه، ومساهمة كل أمة في هذا المشروع دون مركزية لإحداها، أو عنصرية لقوم، أو إجحاف لحق الأمم الأخرى، بل الاعتراف بدور الأمم السابقة وفضلها بالدفاع عنها. كل أمة تكمل الأمم السابقة، ما نقص عندها. هناك تكامل بين الأمم، وليس الهدم أو الإنكار المتبادل. مهمة المحدثين إكمال ما ترك القدماء ناقصا في نظرة كلية شاملة؛ فالأجزاء فيه تتجه نحو التكامل، والكل يضم الأجزاء فيه.
1
الخلاف بين الحضارات في اللسان، وليس في الفكر، أو في البحث عن الحق وطلبه، أو الوصول إليه؛ لذلك لزم شكر القدماء والاعتراف بفضلهم؛ إذ لا يمكن ذم من كانوا أحد أسباب المنافع الكبرى والصغرى، حتى وإن قصروا عن الحق فإنهم شركاء فيه بما أفادوه من ثمار فكرهم التي استفاد منها البشر جميعا. لم يستأثر شعب بالحق كله، بل ساهم في معرفته الجميع؛ فالشكر لهم جميعا للصغير والكبير لمن ساهم بالقليل وبالكثير؛ فلولا القدماء لما كان المحدثون، والحق فوق الأمم والشعوب، ولا يضير الحق أن يعلن من الأمم البعيدة والأجناس القاصية، وكأن الكندي يعبر عن آية
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .
2
بداية الوعي بالتاريخ هو البداية بالقدماء وإكمالهم، والتحول من النقل إلى الإبداع.
3
ولم يذكر الكندي أرسطو في «رسالة إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى»، وهي عمدة رسائله الفلسفية، إلا مرة واحدة استشهادا به على فكرة الكندي الخاصة بضرورة احترام القدماء، أو أخذ الحق من أي مصدر كان دون الانغلاق على الذات والتشنج ضد الآخر ورفضه، مجرد حجة خارجية لفكرة داخلية اعتمادا على أكبر سلطة عند القدماء في الحضارات القديمة لإيجاد نوع من التواصل بين القديم والجديد؛ لذلك كانت أكثر الألفاظ ورودا في مؤلفات الكندي التي تتمثل الوافد «القدماء»، «حكماء القدماء».
4
ولا يشير الكندي إلا إلى كبار الحكماء المبرزين منهم؛ فهم علامات تطور الحضارة البشرية. والإشارة إلى القدماء على وجه العموم دون تحديد حضارة خاصة، وإن كانت اليونانية هي الأغلب، أو تعيين لتيار أو فيلسوف خاص، وإن كانت الرواقية هي الأغلب. وتحقيق المناط في التاريخ لا يهم، بل المهم الفكرة والاتجاه القصد. (ب) وفي «سجود الجرم الأقصى» قد تتحول حضارة بفكرة تقبلها باقي الحضارات، مثل فكرة تقابل العالم الأصغر مع العالم الأكبر، وتصبح فكرة معقولة في حكمة البشر بصرف النظر عن الشعب القائل بها أولا. له فضل السبق، ولكنها مستقلة عنه، تطابق العقل والواقع، صورة فنية، تشبيه إنساني، تسانده الملاحظة والتجربة ويدعمه النقل،