تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون ، ورددها إخوان الصفا فيما بعد. تمثل الوافد إذن يقوم أحيانا على انفتاح على الموروث بطريقة لا شعورية؛ إذ يقبع الموروث في اللاشعور يستقبل الوافد في الشعور.

5

ويشير الكندي إلى ما أسماه القدماء الحكماء من اليونانيين بعد المشاهدة والتجربة والتعليل، ويصدق أقوالهم؛ فمراجعة كتب القدماء ضرورية قبل التسليم بها، ولا يمكن معرفة كتب القدماء دون معرفة أوائل العلوم، وإلا كان الناقل لها كالحمار يحمل أسفارا، كالأمي الذي لا يعرف لغة أو يقرأ كتابا. وتتم مراجعتها بالحس والمشاهدة، والانتقال من اللفظ والمعنى إلى الشيء، ومن الخطاب إلى الواقع، ودون ذلك لا يمكن فهم كتب القدماء. شرط الفهم معرفة العلم أولا قبل قراءة كتاب علم، انتقالا من الشيء إلى اللفظ، ومن الواقع إلى الفكر. هناك إذن حدود للمعرفة المكتبية التي لا حصر لها، ولكن يمكن ضبطها بالتجربة المباشرة؛ لذلك يفرق الكندي بين الاسم والمسمى، وحدة المسمى وتعدد الأسماء؛ فالشيء مستقل عن اللغة، والموضوع سابق على الإدراك؛ لذلك تشير الحضارات إلى نفس الشيء بلغات متعددة. يستعمل الكندي إذن منهجا مركبا في العلم. حين تمثل الوافد يقوم على أربع خطوات، هي: (أ)

معرفة أوائل العلوم الطبيعية، وترتيبها وفنونها والصبر عليها؛ فالتمثل لا يبدأ بالكتاب، بل بالمعرفة السابقة عليه، انتقالا من الشيء إلى اللفظ، ومن العالم إلى اللغة، ومن الأنا إلى الآخر. (ب)

مراجعة كتب القدماء؛ فالتمثل ليس موقفا سلبيا يقوم على التحصيل والتعليم والنقل ، بل على مراجعة المنقول ابتداء من المعروف بالعقل والتجربة. (ج)

معرفة لغتها والتفرقة بين الأسماء والمسميات حتى يسهل التفاعل بين الأنا والآخر، بين المنقول والأشياء المستقلة عنها، والتي هي مشاع بين الحضارات جميعها. (د)

العلوم الإنسانية نسبية محدودة، تختلف في إدراكها الحضارات والشعوب. ومن هنا أتت ضرورة التكامل بينها من أجل رؤية متكاملة للموضوع المستقل وراء المنقول.

6

وأحد أسباب تمثل الوافد عند الكندي اختصار ما أطاله القدماء طبقا لما عرف صحته وجربه بنفسه؛ فهو ليس اختصارا للأقوال، بل تحقق من صدقها، واستبقاء ما طابق الواقع، وحذف الحشو والإطالة، وما لا يطابق الواقع أشبه بدور «الجوامع» عند ابن رشد. ويتم الاختصار بناء على التجربة، والمراجعة لأقوال القدماء، والتوثق من صحتها بمراجعتها على التجارب تمحيصا لها، وهو مقياس مستمد لا شعوريا من مصطلح علم الحديث، مراجعة الخبر على الحس؛ فشهادة الحس أحد شروط التواتر مع العدد الكافي، واستقلال الرواة، وتجانس انتشار الرواية في الزمان.

7

المطابقة مع الحس أساس الحكم على صحة ما يقوله القدماء كرواية تاريخية، كما هو الحال في نظرية العلم في علم الأصول واليقين في الأخبار. لا يكفي في العلم مجرد روايات السابقين ونقل آرائهم، بل لا بد من تمحيصها وتصديقها وزيادتها بالعلم المباشر.

8

ولا يشذ على هذه المراجعة والتصديق أحد، حتى ولو كان أرسطو. (ج) وفي «المد والجزر» روى أرسطو أن نصول السهام إذا رمي بها في الجو ذاب الرصاص الملصق بها، وهي رواية محرفة؛ لأن رصاص السهام لا يذوب في نار المدة التي يخرق بها السهم الجو، ولا يمكن أن يحمي الهواء أكثر من النار، كما أن الهواء الذي يخرق السهم يتغير بهواء جديد؛ فالتجربة لا تصدق هذه الرواية عن أرسطو، والتجربة مدعاة للتصديق؛ لأن الحس مقياس صدق الخبر.

9

ويذكر أرسطو للتحقق من صدق رواية ذوبان رصاص السهام باختراقها الجو؛ لأن التجربة أثبتت أن الحرارة المتولدة عن الاحتكاك بالهواء أقل من حرارة النار، كما أن الهواء البارد اللاصق في الجو يبرد حرارة الاحتكاك بالهواء المحتك؛ فالرواية عن أرسطو محرفة بالضرورة. (د) وفي «رسالة الجو» يراجع الكندي من القدماء أقوال مارينوس وبطليموس، وقياساتهما لارتفاع البخار معللا بارتفاع الجبال في بيئتهم؛ فالعلم تحليل كمي، وليس فقط تحليلا كيفيا؛ يعتمد على القياس، وليس على مجرد الرأي؛ فالإحالة إلى الآخر بناء على سؤال التراث، ومراجعة صحة نتائج الآخر بعد تجربة الذات، كان يمكن للكندي ذكر غيرهم؛ فالتخصص لا يعني التشخيص أو الإعجاب بشخص دون غيره.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٩