27
ويستعمل ابن باجه أسماء الفرق، مثل حكماء الطبيعيين على الخصوص، والحكماء على الإطلاق، وهم الذين يعلمون حصول الغاية للفاضل في حين أن أكثر الناس لا يعلمها، كما يذكر الفلاسفة والمتفلسفون دون تحديد انتمائهم للوافد أو الموروث بعد أن أصبح الوافد موروثا، فيما يتعلق بما يسميه الجمهور التشكيك، وما يسميه الفلاسفة اشتراك الاسم، ومثل قلة استعمالهم لفظ روحاني. وما زال ابن باجه يستعمل بعض الألفاظ المعربة، مثل «السقمونيا».
28
كما يظهر الوافد الشرقي الفارسي والهندي في مقابل الوافد اليوناني؛ فمن الوافد الفارسي يحيل ابن باجه إلى سيرة الفرس الأولى المركبة من السير الخمس حكاية عن الفارابي؛ فالفرس مصدر للأخبار عن أنواع المدن؛ أي عن الفكر السياسي، ومصدر لعادات البشر، مثل نكاح الأمهات. يتحدث عن فارس وهو في الأندلس؛ مما يدل على الوحدة الجغرافية للعالم الإسلامي. ويظهر الموروث الهندي في كتاب «كليلة ودمنة» الذي أصبح وافدا هنديا، وترجمة فارسية، وموروثا عربيا، وهو جزء من الآداب النفسانية، مع آداب حكماء العرب التي تشتمل على الوصايا والأقاويل المشهورة. كما يؤخذ نموذجا للآداب غير الصادقة الخيالية التي لا تطابق الواقع، على عكس شعر امرئ القيس الذي يتحدث عن وقائع تاريخية.
29
ويظهر الموروث في سبع صور: الفلسفة، والتصوف، واللغة العربية، والشعر العربي، والتاريخ، والجغرافيا، وأخيرا القرآن والحديث.
30
ويلاحظ أولوية اللغة والشعر على الفلسفة والتصوف. كما يشير التاريخ والجغرافيا، إلى البيئة العربية الإسلامية كمواطن للتأليف. ومن الفلاسفة لا يوجد إلا الفارابي، في حين من الصوفية إبراهيم بن أدهم وأويس القرني وهرم بن سنان. ويظهر أبو نصر الفارابي راويا عن الفرس السير؛ فكان نافذة للعالم الإسلامي على الحضارات الوافدة، الفارسية والتركية واليونانية. كما يشير إلى حيل ابن شاكر في موضوع العمل الخطأ الذي ينال به غرض آخر؛ فكل ما في الحيل أشياء يقصد بها التعجب وليس الكمال الإنساني. الحيل نموذج لتوليد قصد آخر. ويستشهد باعتراف الغزالي بأنه أدرك مدركات روحانية وشاهدها مستشهدا بقول الشاعر:
وكان ما كان مما لست أذكره
فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
ومع ذلك ينقد ابن باجه الصوفية، وما ظنوه غاية الإنسان، ودعاءهم «جمعك اللهم ويمين الجمع»؛ لأنهم قصروا عن الصور الروحانية المحضة، وأخذوا بأشباهها؛ لذلك قال الصوفية إن السعادة القصوى قد تحصل بلا تعلم، بل بالتفرغ والتذكر الدائم. وهنا تفوق الحكمة التصوف؛ إذ يستحيل الحصول على الصور الروحانية بالرياضة والمجاهدة فحسب دون تعلم ومع غياب العقل والبرهان. التصوف مجرد خيالات وليس عقلا، خال من مقياس للصدق والكذب كما هو الحال في الحكمة المنطقية، وهم لا حقيقة، نزوع وليس عقلا. ويصبح الصوفية حكماء لو توجهوا نحو الروحانية العامة التي هي كمال النفس الناطقة.
31
ويظهر اللسان العربي والشعر العربي بعد الفلسفة والتصوف؛ فلفظ التدبير في لسان العرب يقال على معان كثيرة أحصاها أهل لسانهم، وأشهرها ترتيب الأفعال نحو غاية مقصودة. وفي بداية كل باب يبدأ ابن باجه بتحليل لغوي لمعاني الألفاظ، مثل تدبير، روح، روحاني، تتضح فيه ظاهرة التشكل الكاذب، بالتبادل مع ألفاظ للقرآن، مثل روح، نفس، أسماء لا صفات، مثل روحاني، نفساني.
32
كما يحاول البحث عن اسم عربي لوصف الحيوان، أو اختيار أقرب للاسم دون اللجوء إلى التعريب؛ فالروح يقال في لسان العرب على ما تقال عليه النفس، وهو عند المتفلسفين لفظ مشترك يراد به الحار العزيزي، آلة النفس. وعند الأطباء الأرواح ثلاث: طبيعي وحساس ومحرك. والروحاني من روح بالمعنى الثاني أي الحساس، أو الثالث بمعنى الجوهر الساكن المحرك لسواه. وهو ليس جسما، بل صورة لجسم؛ لأن كل جسم متحرك. وشكل اللفظ غير عربي، بل دخيل على لسان العرب، وعلى غير قياس النحاة؛ لأن المقيس روحي. ويستعمله المتفلسفون بمعنى الجسماني والنفساني. والهيولاني لفظ دخيل على اللسان. وكلما كان الجوهر أبعد عن الجسمانية كان أخلق به، مثل العقل الفعال والجواهر المحركة للأجسام المستديرة. وأحيانا يوجد معنى، مثل ما يتحرك إلى ما يشتهيه إلى وقت توجد له فيه الروية، ولا يوجد له اسم في لسان العرب، فيأتي بلفظ دخيل. ومع ذلك أقرب الأسماء العربية إليه هو «اليفعة». ويحلل ابن باجه المصطلح في اللسان العربي لرفع الخطأ؛ فشكل لفظ «مدرك» يدل على المحرك والمنفعل؛ لذلك كانت المحركات أشخاصا وليست كليات. كما يحاول إيجاد ألفاظ عربية للمعاني الفلسفية، مثل تسمية حال النشاط عند العرب نشاطا، وبطء حركة الضعيف كسلا؛ فإن لم يجد لفظا عربيا للمعنى فإنه يحاول إيجاد لفظ، مثل تسمية الحيوان الذي يربي أولاده المحصل الكامل، وتسمية الصور الروحانية التي لا عمل لها بأقرب الأسماء إليها، مثل الوهم والخيال، دون الأسماء المركبة، مثل «ما لا يبالى به». فالمصطلح لفظ أكثر منه عبارة شارحة. الألفاظ العربية موضوع سائد منذ نشأة المصطلح الفلسفي في عصر الترجمة ومراحل النقل حتى إبداع لفظ عربي جديد في مرحلة الإبداع.