تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33

ويلجأ ابن باجه إلى أشعار العرب كدليل على ما يقول، مثل نبوءات زرقاء اليمامة وتأبط شرا؛ فالشعر مصدر للفلسفة مثل التصوف. الشعر برهان الحكمة، والتجربة الشعرية تصديق للتأمل الفلسفي. وابن باجه شاعر، كما أن ابن رشد أديب. كما يستعمل الشعر العربي لإثبات المعنى الحرفي للفظ الذكر عند العرب، وأن الخلود في الذكر وليس في المال، في العمر الثاني وليس في العمر الأول، في البقاء وليس في البلى، وهو ما تدل عليه أيضا السير. وتنال هذه الأفعال بالقوة الخيالية، وليس بالحس المشترك. أما الأفعال الجسمانية فتقود إلى المذمة، ولا تنال بها الأفعال الباقية بذاتها. وبعضها يحفظ في ذاكرة الأمة باقترانها بأشياء أخرى، خاصة إذا كانت سيرة الأمة حفظ الأقاويل الموزونة، فيتداولها الناس والشعراء، كما فعل المحلبي بالأعشى الشاعر. وقد يتداول الناس الأفعال لغربتها والإعجاب بها. ما يهم هو اقتران الفعل بالانفعال حتى يرويه الناس. وفي هذا الصنف تدخل أكثر التواليف والأشعار والخطب. ولا يدخل مقصد الشاعر في العمل الفاضل، بل يدخل فقط الشوق أو الانفعال أو ما شابههما. وقد يذكر الفضلاء الأمور الغريبة والسيرة للإعجاب، لا ليذكروا به، بل من أجل كمال العمل، كما هو الحال عند كبار الأنفس ومدبري المدن. يستعملون الوعيد كما يستعملون النقائض، كالرياء وباقي الأفعال الجسمانية. ويبدو أن هناك توجها قرآنيا من آية الشعر في سورة الشعراء الشهيرة

والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون ؛ فالنص النازل يتحول إلى واقع صاعد في الشعور. يستشهد ابن باجه أيضا بالشعر العربي لوصف بكاء الديار، وللحزن على الآثار، وهو أكثر الشعر العربي لكثرة ما شاهده العرب؛ فالشعر مشاهدة، كما أن الحكمة تجربة. كما يستشهد بالشعر العربي لبيان أن الصور الروحانية التي لا يفيدها الحس ولا الطبيعة يفيدها الفكر أو العقل الفاعل قد تكون صادقة أو كاذبة، والكاذبة أكثر في بعض السير، ومنها تدخل الأماني. ويضرب المثل لمن يتلف صورته الجسمانية في طاعة صورته الروحانية في الانتحار بشعر تأبط شرا في أن الموت أفضل من العبودية، وبشعر المرواني وما فعلته الزباء مع عمرو، وملكة مصر مع أغسطس (وهو مثل أرسطو أيضا)، وما فعلته فاطمة أم الربيع وسائر بني زياد عندما لحق بها قيس بن زهير، وكما فعل حاتم الطائي عندما ذبح فرسه ولم يطعم منه وأهله شيئا.

34

ويضرب المثل بامرئ القيس على تخيل الأمور البعيدة، كما يضرب نماذج من الخيال الشعري على نسبة الصور للحس. والتصور والتصديق اضطرار وليس اختيارا، وإلا لعرف الإنسان ما يسوءه كما قال المتنبي شعرا، وكما قال أيضا في رثاء أخت سيف الدولة. ويستشهد بشعر زيد بن عدي العبادي في معرفة القرين بالقرين. ويستعمل الأسلوب العربي وضرب المثل بزيد وعمرو.

35

ومن التاريخ يضرب ابن باجه المثل على اختلاف الناس في الإدراك، ثم تداركهم الخطأ على تفضيل قوم معاوية على علي في الحزم، ثم تداركهم ذلك عندما ظهر الأمر على خلاف ذلك. كما يضرب المثل بملوك الطوائف على المتجملين الذين يذهبون المال ويتوسلون به في حوائجهم، ويتمدحون ويمدحون به وهو مذمة. وأكثر الناس يهواه في سره ويذم في جهره. ويضرب المثل لعمر بن الخطاب محدثا؛ أي مخاطبة العقل الفعال تحقيقا لظاهرة التشكل الكاذب؛ فقدرة عمر على إدراك الوحي من الواقع تأكيد على وحدة التأويل والتنزيل، العقل والوحي والطبيعة. ويضرب المثل لتصور الأفضل بالمهدي، وللأوائل بأبي دلامة الشاعر؛ فعند كل واحد صورة روحانية للآخر تحركه؛ فصورة الشاعر تحرك المهدي إلى الراحة والضحك، وصورة المهدي تحرك أيضا دلامة إلى العبس والقوام، وصورة العبس والقوام أفضل من صورة اللهو والضحك؛ فبصورة الأعلى يصير الأدنى أعلى، وبصورة الأدنى يصير الأعلى أدنى.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٧٩