فالكيمياء علم يقود إلى الإيمان، والحكمة تتوسط بينهما وتوحدهما، ومن اختص بهذا العلم خصه الله بفضل كثير، وما أعده الله لعباده الصالحين. ويثبت هذا الفن أن الله يرى العالم ويعمل لمصلحة البشر، فيطلع العلماء على أسراره. والكتاب مملوء بالإيمانيات من البسملة والصلاة على الرسول وآله وصحبه في البداية، حتى الدعوة بالعون على الفهم والرزق بالاطلاع على حقائق العلم، إنه جواد كريم منان. وخلال الرسالة كلها دعوات إلى القارئ وطاعته لله، وبأن يكون من الفائزين برحمته، الحاصلين على حكمته، والعصمة من الخلل والزلل، والتمسك بالعهود والمواثيق مع الله.
7 (2) اللوكري
وفي «بيان الحق بضمان الصدق» للوكري (517ه)، يستمر تيار ابن سينا ومدرسته الإشراقية، بل ومنهجه في التأليف، صمتا عن المصادر. ويتكون من قسمين؛ الأول: العلم الكلي. والثاني: الربوبيات، وهو العلم الربوني الذي يشمل المبدأ الأول وسائر المفارقات الروحانية الملكية، وهو جزء من مشروع كلي في العلوم الحكمية.
8
وهو مؤلف على سبيل التلخيص والشرح لابن سينا؛ فالشرح والتلخيص ليسا قاصرين على الوافد، بل أيضا للموروث. ويقل فيه ذكر أسماء الأعلام والاكتفاء بالحديث عن «في اقتصاص مذاهب الأقدمين في التعليميات والسبب الداعي إلى ذلك»، ضاما لهم جميعا في وعي تاريخي واحد.
9
وله طابع تجريدي نظري عام مثل «الشفاء»؛ مما يجعله يتراوح بين تمثل الوافد والإبداع الخالص، بداية التأليف ونهاية التراكم، وهو أقرب إلى الصمت على مصادره مثل ابن سينا. يتحول من التاريخ إلى الموضوعات المستقلة؛ فقاطيغورياس ليس كتابا من كتب منطق أرسطو، بالرغم من التقريب، ولكنه موضوع المقولات ذاته مستقلا عن مؤلفه، حتى ولو كان أرسطو.
وموضوعه العلم الإلهي، وطريقته على سبيل التلخيص والشرح بشرط عدم الإخلال بشيء من قوانينه، ولا تطويل شيء من فروعه، باستثناء المقالة الثالثة، النفس الإنسانية ومعادها وانقطاعها عن الحالة البدنية، وحالها من العلم والجهل بالأشياء، على عكس ما جرت به العادة في الكتب المألوفة بين أيدي الناس؛ فالنفس موضوع للإلهيات على عكس أرسطو الذي جعلها موضوعا للبدن، ثم تلحق بها فصول متنوعة من علم الأخلاق في اكتساب فضائل النفس الإنسانية وعقد المدينة الفاضلة.
10
لذلك قلت أفعال القول؛ لأنه ليس تعاملا مع أقوال، بل مع الموضوعات ذاتها، ومعظمها في صيغة المتكلم الجمع «نقول» دون تعيين القائل،
11
أو في المبني للمجهول «قيل»، كما يظهر مصدر «القول»، ويظهر «قال»، كما تظهر أفعال البيان في الأزمان الثلاثة، فعلا ومصدرا، ومعها أفعال الاستدلال، مثل ظن، سأل، فرض، نظر، سلم، شرح.
12
ويظهر أسلوب الاعتراض على النفس من أجل إحكام الاستدلال وبيان اتساق الفكر. وتتم مخاطبة القارئ بصيغة «اعلم»؛ فالفكر تجربة مشتركة.
13
وليس الكتاب مجرد تلخيص وشرح لابن سينا، ولكنه أيضا له مواقفه الخاصة واعتراضاته في فصول بأكملها.
14
ويتصدر الوافد الموروث، يتصدر المعلم الأول، ثم أفلاطون، ثم بطليموس، ثم سقراط وثامسطيوس، ومن الفرق الفيثاغوريون، ومن الكتب الربوبية «أثولوجيا» والمجسطي.
15
وعوضا عن قلة الأسماء يتعرض الكتاب إلى المذاهب، «في مذاهب الناس في وجود الجسم وفي إثبات الهيولى والصورة والإشارة إلى معنى الاتصال والانفصال»، وأيضا «في اقتناص مذاهب الأقدمين في المثل ومبادئ التعليمات والسبب الداعي إلى ذلك».
16
ويتم الحديث عن «قوم ظنوا»، «قوم قالوا»، «قال قوم من أهل العلم»، «قال بعض الأوائل»، «قال قوم آخرون»، دون تعيين؛ فالمهم هو الموضوع وليس القائل فردا أو جماعة. والجماعة غير المتعينة تدل على المذهب، والتحول من الشخص إلى التيار أحد مظاهر التحول من النقل إلى الإبداع.