ثم يتم تطبيق ذلك على كتاب «الأصول» لإقليدس، وهو أصل جميع الرياضيات للبرهنة على ما ظنه إقليدس مصادرة؛ فأصول الرياضيات عند إقليدس إما النقطة والخط والزاوية والسطح والدائرة، وإما مقدمات غير أولية، مثل انقسام المقادير إلى ما لا نهاية والخط المستقيم بين نقطتين، وهو ما يحتاج إلى برهان من الحكيم، وإما المصادرات، مثل المثلث والمربع والمخمس. مهمة الخيام البرهنة على ما ظنه إقليدس مصادرة، مثل كل خطين مستقيمين يقطعان خطا مستقيما على نقطتين خارجتين منه في جهة واحدة على أقل من زاويتين قائمتين يلتقيان في نفس الجهة. وقد ترك المتقدمون، مثل إيرن وأرطوقس، هذه المسألة، كما حاول المتأخرون، مثل الخان والشتي والتبريزي، البرهنة عليها؛ فتاريخ العلم متواصل من اليونان إلى المسلمين. أراد الخيام أن يراجع الموروث لولا كثرته، فاتجه إلى الأصول مباشرة. وقد حاول ابن الهيثم ذلك أيضا في كتابه «حل شكوك الغاية الأولى»، ولكنه تكلف البرهان وخرج على أصول الصناعة. وقد يكون السبب بترا في المخطوط أو خطأ من النساخ.
28
ويتصدر الوافد الموروث في العمق لكثرة الإشارة إلى إقليدس وأن تصدر الموروث الوافد في الاتساع لكثرة اسماء اعلام الموروث.
29
ويتصدر الوافد الموروث في الإحالة إلى الكتب.
30
وبالرغم من مدح أصول إقليدس وذكر نصوصه، إلا أن الخيام يبحث عن الأسباب التي من أجلها جعل إقليدس بعض مصادراته من غير برهان؛ ربما لغلبة الظن على إقليدس؛ وبالتالي فإن مهمة الخيام تحويل الظن إلى يقين. كان هدف إقليدس إرجاع الهندسة إلى الفلسفة، والظن إلى اليقين، والرياضة إلى المنطق، والفرع إلى الأصل، والانتقال من التناسب المشهور لإقليدس إلى التناسب الحقيقي عند الخيام. ونظرا لأهمية اللغة واشتقاق الأسماء يشرح الخيام الألفاظ لتوضيحها ورفع اللبس في معانيها. كما ينقد إطناب إقليدس بلا لزوم. كما خلط إقليدس بين الحساب والهندسة؛ لأنه يود أن يكتب كتابا شاملا في الرياضيات لاحتياجه إلى علم الحساب في المقالة العاشرة. ويقارن الخيام إقليدس مع بطليموس وأبولونيوس وضعا له في تاريخ الرياضيات عند اليونان. وبالرغم من أنه يسميه هذا الرجل في معرض النقد إلا أنه يجد له الأعذار لاعتماده على أرسطو الحكيم. لم يستطع الشراح اليونان حل هذه الشكوك.
31
ويصف الخيام مسار فكر إقليدس، مقدماته ونتائجه واستدلالاته، مستعملا أفعال البيان أكثر من أفعال القول.
32
ويخرج معاني إقليدس بالقوة، من المنطوق به إلى المسكوت عنه. ويدعو القارئ إلى مشاركته في الفهم.
33
وسبب خطأ المسلمين غفلتهم عن مبادئ أرسطو، واعتمادهم على إقليدس وحده، وفصل الهندسة عن الحكمة، وفصلهم بين إقليدس وأرسطو. كان نقد ابن الهيثم له نقدا ضعيفا، وأخطأ في نقده. وقد حاول المتأخرون، مثل الخان والشتي والتبريزي أيضا، دون الوصول إلى برهان نقي. أما ثابت والحجاج فقد قاما بالنقل دون النقد، وإن كان ثابت أفضل مكتفيا بالإصلاح الجزئي. كما غفل المتأخرون عن التمييز بين الموضوع والمحمول، واكتفى التبريزي ببرهان الخلف دون البرهان الصحيح.
34
ويبدأ الكتاب وينتهي كالعادة بالبسملات والحمدلات، وطلب التوفيق والعون، والصلاة على الرسول، واعتبار طلب العلم وسيلة للنجاة ونيل السعادة الأبدية؛ فالعلم هو القوانين العامة والكليات التي يتم بها إلى التوصل لإثبات المعاد وخلود النفس، ومعرفة أوصاف واجب الوجود، وترتيب الخلق، وإثبات النبوة.
| سادسا: الطغرائي، واللوكري، وابن باجه
(1) الطغرائي (515ه)
له «حقائق الاستشهاد»،
1
وهي رسالة في الكيمياء للرد على ابن سينا وإنكاره لها. بداية لظهور التراكم الداخلي كدافع على التأليف. ويعني العنوان الاستشهاد على أخطاء ابن سينا اعتمادا على نصوصه، وليس الاستشهاد في الفتوحات. تهدف إلى الرد على أعداء صناعة الكيمياء، وتأييد أنصارها، والتمييز بين الكيمياء العلمية والسيمياء الخرافية التي تهدف إلى تغيير جواهر الأشياء اعتمادا على السحر والإضرار بالناس؛ فهي رسالة سجالية يظهر فيها مسار الفكر واستدلاله، مقدماته ونتائجه.