20
وبقدر ما يوجد المدح للوافد اليوناني، فجالينوس أفضل الأطباء والذي يحذى صنعه، حتى إنه ليستشيره في أحلامه، وأبقراط أول من أحكم مصطلح ومهنة الطب، وديسقوريدس لاعتماده على التجربة، ينقد الرازي في الأخلاط، وأسلوبه خشن في نقد معاصريه وسابقيه، مثل حنين بن إسحاق، كما يتضح ذلك في قسمة كتابيه إلى مقالين بلا عناوين. ومع ذلك فالأول في الانبهار باليونان أبقراط وجالينوس، بل في عناوين الأبواب، والثاني في بيان الأسباب المغلطة لكتب الطب بعد جالينوس حنين بن إسحاق والرازي، والأولى أكبر والثانية أصغر.
21
يقيس حنين بجالينوس، والموروث بالوافد، ويحكم عليه بالجهل، مع أن الخطأ بالطب لا يعني الجهل به. ويتحقق من خطأ الرازي بذكر النصوص المئولة.
22
لم يستطع ابن رضوان قبول مناهج التعليم في عصره، ولا السفر إلى بغداد للتعلم، فعكف على شرح الأصول بداية بجالينوس في كتاب «في آراء أبقراط وأفلاطون»، وأعجب بجالينوس؛ لأنه وجد أن صناعة الطب لا تقوى إلا بدراسة الهندسة أو المنطق لمعرفة طرق البرهان، وللمساعدة على معرفة القرانين الكلية في صناعة الطب؛ لذلك كان منطقيا وطبيبا؛ فالطب المنطقي أفضل من غياب المعلم الجيد. وبالرغم من مساهمة المصريين واليهود في الطب إلا أن جالينوس هو صاحب الفضل الأعظم فيه. ولقد عرف ابن رضوان أبقراط وأفلاطون من خلال جالينوس الذي يعني باليونانية الفاضل أو المؤيد، كما يصفه ابن رضوان.
23
وتظهر البيئة اليونانية في أسماء الأماكن وتحديد الأقاليم والزمان القديم، في مقابل البيئة العربية الإسلامية التي تضم اليهودية والنصرانية وفلسطين ومصر والفرس والهند. وقد توحي الإحالة إلى مصر إلى وجود مدرسة مصرية في الطب في التصور العام لارتباطه بالبيئة في الطب الجغرافي لحديثه عن وضع مضار الأبدان عن أرض مصر وهواء مصر، وأزمنة الأمراض، والإشارة إلى بدايات الطب عند قدماء المصريين، وتعلم جالينوس في مصر، وكون بعض الأطباء اليهود النصارى من مصر. ولما ظهرت ملة النصارى كف الناس عن الاشتغال بالطب، وضعفت الصناعة، وذهب البعض إلى فارس. فلما جاء الإسلام أحيا عمر بن عبد العزيز الصناعة، ثم ظهر حنين في عصر المأمون، ثم ظهر المترجمون، مثل سرجس الراسي وأبو سعيد ابن الكرجي وأيوب الرهاوي والبطريق، ولا ينسى دول المغرب والعرب والجناح الشرقي كله في فارس والهند. ولا تظهر آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، والعبارات الإيمانية قليلة للغاية لا تتجاوز البسملة والصلاة على محمد وآله والمشيئة الإلهية.
24 (3) عمر الخيام
ولا يقتصر تمثل الوافد قبل تنظير الموروث على العلوم الطبيعية وحدها، الطب والكيمياء، بل يشمل أيضا العلوم الرياضية مثل الهندسة، الرياضيات مع المنطق والطب مع الطبيعيات، مثال ذلك «مصادرات إقليدس» لعمر الخيام (515ه)،
25
وكلها ضمن علوم الحكمة التي يشتغل بها المشايخ والأئمة؛ فالعلوم الطبيعية والرياضية جزء من علوم الحكمة وفروع عليها.
26
والأصل يقيني، وقد تكون الفروع ظنية. الحكمة مضبوطة يمكن معرفتها، وأسبابها متناهية بالعقل. أما الفروع فأسبابها غير متناهية ولا تحيط بها العقول. تقوم الحكمة على العقل، في حين تقوم علومها الفرعية على التخيل والوهم.
27
وترتبط الرياضيات بعلوم الحكمة، بالفلسفة والإلهيات، وهي أسهل أجزاء الحكمة إدراكا وتصورا وتصديقا؛ فالحساب ظاهر بديهي، والهندسة لا يخفى منها شيء على سليم الفطرة، ثاقب الرأي، جيد الحدس، منفعتها شحذ الخاطر وتقوية النفس على البرهان، وهي وسيلة ليست غاية. العلوم متدرجة من أسفل إلى أعلى، من الطبيعيات إلى الرياضيات، إلى الحكمة والمنطق، إلى الإلهيات.
ومعلوم من البرهان في المنطق أن كل صناعة برهانية لها موضوع للبحث عن أعراضه الذاتية ومقدمات، إما أولية مثل الكل أعظم من الجزء، أو مبرهن عليها في صناعة أخرى، وإما مصادرات؛ فالبرهان جزء من المنطق الذي هو جزء من الحكمة.