68
أما المسائل الأربعة الأخرى، الثالثة والثامنة والتاسعة والعاشرة، فإن أرسطو مذكور فيها في الأجوبة وحدها دون الأسئلة، وكأن السؤال علمي والإجابة أرسطية؛ لأن أرسطو كان هو العلم في عصره. المسألة الثالثة سؤال عن كيفية إدراك البصر دون إدراك ما تحت الماء، وشعاع البصر ينعكس على الأجرام الصقيلة، وسطح الماء صقيل. والجواب عن ذلك أن الإبصار عند أرسطو ليس بخروج شعاع من العين، وكما ظهر ذلك عند المفسرين للمقالة الثانية من كتاب «النفس»، وكتاب «الحس»، وكما هو الحال عند أفلاطون. والحقيقة أنه لا فرق بين الاثنين؛ لأن قول أفلاطون عامي، في حين أن قول أرسطو علمي. وقد بين ذلك الفارابي في «الجمع بين رأيي الحكيمين». لا يشير السؤال إلى اليونان أو إلى التراكم الفلسفي للموروث، ولكن الجواب يشير إلى الوافد والموروث مع تحديد المواضع. ويكشف ابن سينا في رسائله عن مصادره، في حين أنه يصمت عنها في موسوعاته.
69
وفي المسألة الثامنة يستعمل ابن سينا فعل «زعم» لعرض أقوال المعترض عندما ينسب إلى أرسطو ما لم يقله، مثل جعل النار العنصر الذي يتكون منه العالم طبقا للتحقق من صحة الرواية، كما هو الحال في علم الحديث. قد يصدق الاعتراض على فلاسفة آخرين جعلوا الأسطقسات شيئا واحدا من الأربعة أو اثنين أو ثلاثة منها، مثل الماء عند طاليس، والنار عند هرقليطس، والجوهر بين الماء والهواء عند ديوجانس، والهواء عند أنكسمندريس.
70
والمسألة التاسعة مجرد استفسار عن تعريف أرسطو للضوء، وهو لون ذاتي للمشف من حيث هو مشف، وكما حده في المقالة الثانية من كتاب «النفس» في المقالة الأولى من كتاب «الحس».
71
والمسألة العاشرة يحيل فيها ابن سينا لمزيد من التفصيل إلى المفسرين في شروحهم على «الكون والفساد» و«الآثار العلوية» و«المقالة الثالثة» من «السماء»، ويعتمد عليهم، ويقتبس من أمثلتهم لتأييد قول أرسطو في الكون والتغير من جزئيات الطبيعة. ليس الشراح على خطأ دائم أو على صواب دائم، بل يخطئون ويصيبون.
72
والمسألة الأولى مذكور فيها أرسطو في السؤال دون الجواب؛ مما يوحي بإمكانية الجواب عن أرسطو دون ذكره؛ فالعلم مستقل عن الشخص. وهي السؤال عما أوخذ على أرسطو وعما أشكل على قرائه، هو سؤال نقدي استفهامي. لم أوجب أرسطو للفلك عدم الخفة والثقل؟ والإجابة لعدم وجود حركة من المركز أو إليه، في حين أن الوهم يسوق إلى أنه من أثقل الأجسام. ويظهر من كثير من الأقوال التمويه والسفسطة، ويجر إليه الخلاف في اللفظ بالرغم من الاتفاق في المعنى، حيث تعتبر الحركة إلى المغرب ضد الحركة إلى المشرق؛ فإذا ما تم تجاوز الألفاظ ظهرت المعاني. الحل إذن في جدل اللفظ والمعنى، وفي دور الوهم والسفسطة. حل المسألة إذن في المنهج واللغة أكثر منه في الموضوع والاستدلال. (و) وفي «جواب الشيخ الرئيس على سؤال أبي الحسن أحمد السباعي عن علة قيام الأرض وسط السماء» يبدأ التراكم الفلسفي الداخلي، وتبدأ الأسئلة من الواقع الفلسفي، لا من الوافد ولا من الموروث مباشرة.
73
تبدأ الأسئلة من الداخل؛ فقد أصبح الواقع مخصبا والأرض حبلى، وهو سؤال علمي عن العلة؛ فالعلم هو علم بالعلل، وهو لون جديد من ألوان التأليف أشبه بالفتاوى الفقهية وأحكام السؤال والجواب، مثل فتوى «فعل المقال» لابن رشد. ولم يذكر في أرسطو لأنه ليس هما ولا ضرورة ولا مصدرا وحيدا للعلم، بل ذكر فيثاغورس وديمقريطس إفرادا لهما بالتعيين في معرض ذكر آراء القدماء للإجابة على السؤال، وهي إجابات ثمان لعلل محتملة. ويذكر أصحاب فيثاغورس، أي الفيثاغوريون، كفرقة وتيار، وليس كشخص أو فرد، ويذكر كلاهما في سياقهم التاريخي مع أقاويل العلماء القدماء أو العلماء والقدماء، طائفة منهم بقول، والبعض الآخر بقول آخر؛ فهما يدلان على تقسيمات فئوية لتيارات فكرية وآراء فلسفية. السؤال من الحاضر التراكمي، والإجابات متعددة ومحتملة من الماضي الوافد، ومعظم الآراء الثمانية الواردة أقل علمية من تحليل ابن سينا العلمي. ذكر آراء القدماء من أجل تجاوزها، انتقالا من تاريخ العلم إلى العلم، من التطور إلى البناء، كما هو الحال في تطور الوحي حتى اكتماله في المرحلة الأخيرة. وقد جمع ابن سينا ذلك كله في فصل خاص هو الفصل العاشر لتعديد أقاويل العلماء القدماء، كما فعل أرسطو ذلك من قبل مؤرخا لآراء السابقين ودون تطويل في المناقضة. نقد القدماء وارد وإن لم يكن مستفيضا. يأتي التاريخ بعد اكتمال الموضوع عند الفصل الأول في التاسع، وكأننا أمام قانون الطفو. ظهور الموضوع على السطح بعد تراكمه في التاريخ، اليقين أولا والظن ثانيا، الحقيقة أولا والتاريخ ثانيا، الاكتمال أولا ثم التطور ثانيا.