وتسمى الطوائف على العموم دون تحديد ثقافاتهم، يونان أو مسلمين. المهم الرأي والموقف والاتجاه، وليس أصحابه وممثليه وقائليه. إنما تكون الألفاظ بين العموم والخصوص، القدماء الأعم والعلماء الأخص. للقدماء أقاويل وللعلماء آراء. والأقاويل أقل علمية وبرهانا من الآراء. وهي آراء يستحضرها ابن سينا من الذاكرة، وبها كثير من الإسقاط والصور. فسبب قيام الأرض وسط السماء لأنها متحركة على الاستدارة (فيثاغورس) وهابطة إلى أسفل، أو أنها ساكنة. ثم تنقسم الآراء في علة السكون، قيامها على الهواء وضغطه عليها (ديمقريطس)، قيامها مثل الحبة عليه، طفوها مثل طفو الصفيحة من الرصاص الواسعة، وإلا رسبت إن كانت صغيرة، أو لاستحقاق الجهات بها على التعادل، أو إدارة الفلك وحركته كما يتحرك التراب في قارورة تدور، أو جذب الخلاء، أو تحركها إلى الوسط عشقا لكليتها.
74
وتبدو آليات الإبداع في وصف مسار الفكر في الماضي والحاضر والمستقبل، وبيان مراحله وخطوات استدلاله المنطقي. وهذا الربط بأزمنة الفعل تدل على أن ابن سينا يتعامل مع أفكار وليس مع عبارات، وتتم المراجعة واستبعاد التناقض بحثا عن الاتساق، ليس فقط اعتمادا على اتساق المقدمات والنتائج، واعتمادا على البراهين، ولكن أيضا مع المشاهدة والتجربة. والاختصار أفضل من التطويل بعد بيان القصد، ليس فقط لدوافع العلم والفكر، بل لكثرة المشاغل وقصر العمر، ولوجود التفصيلات في مؤلفات أخرى، ولافتراض ذكاء القارئ وحسن قريحته، وما لديه من علم يغنيه عن التطويل. وتدل الإحالة إلى باقي المؤلفات على وحدة الموضوع واحتواء الفكر له. والتأليف أيضا للسلطان.
75 (2) البيروني
ويمثل عملان للبيروني (440ه) تمثل الوافد قبل تنظير الموروث. (أ) الأول في الفلك «كتاب التفهيم لأوائل صناعة التنجيم». ويكون تمثل الوافد في العمق؛ أي أعلام قليلة العدد وكثيرة التردد، مثل بطليموس واليونانيون والروم، بالنسبة للوافد اليوناني، والهند والمجوس بالنسبة للوافد الشرقي، ويعظم الوافد الشرقي على الوافد الغربي، ويدل على ذلك أسماء الشعوب والبقاع. ويكون تنظير الموروث على الاتساع؛ أي كثرة الأسماء وقلة التردد، مثل السريان والنصارى والعرب والصابئة والحرانيون والقبط.
76
ويدل النص على ارتباط الفلك بالرياضة، الحساب والهندسة والجغرافيا والتاريخ؛ أي تكامل العلوم الرياضية والطبيعية وتفاعلها على الأرض. وهو في علم التنجيم أكثر في علم الفلك؛ أي العلم الشعبي المأخوذ بالتقليد أكثر منه في العلم الرياضي الطبيعي. كتب بطريقة السؤال والجواب، أسلوب الفقهاء من أجل تعلم المصطلحات ، فالعلم هو المصطلح، وبناء على طلب امرأة.
77
ويحيل إلى باقي الكتب؛ مما يدل على وحدة المشروع العلمي، وتكثر فيه الجداول التوضيحية من أجل عدم التشكك في علم التنجيم الذي لا يقوم إلا بعد استيفاء العلوم الرياضية الأخرى. وهو علم العامة، وليس للخاصة التي لها علم الفلك. ويعطي النص صورة لعادات الشعوب وتقاليدها وخرافاتها وأعيادها وعلومها وآلاتها، خاصة الهند التي تعتبر نقطة الإحالة الأولى مع اليونان، الشرق والغرب.
والإيمانيات قليلة للغاية، مثل ظهور الصلاة ومعرفة القبلة ودور الفقه كأحد البواعث على تأسيس علم الفلك، مثل الصوم ومعرفة أوائل الشهور. وتبدو مقارنة الأديان واضحة؛ فالعلم جزء من الدين، وكلاهما تعبيران عن الحضارة. وتظهر العبارات الإيمانية، مثل الدعوة بالتوفيق، والاستعانة بالله، والحمد لواهب الحياة، والصلاة على الرسول وآله.
78 (ب) والثاني «الآثار الباقية عن القرون الخالية». وهو في علم التاريخ الذي يشمل الجغرافيا والفلك والحساب والتنجيم ومقارنة الأديان والفلسفة؛ فالتاريخ علم الإنسان على الأرض، هو العلم الشامل للعلوم الرياضية والطبيعية والإنسانية؛ ومن ثم فهو جزء من علوم الحكمة وإن لم يدخل في قسمتها الثلاثية التقليدية القديمة.