تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

64

والسؤال الرابع لماذا استشنع أرسطو القول بالجزء الذي لا يتجزأ بالرغم من عيوب هذا القول عند المهندسين، وموقف الرافضين له أشنع من موقف القائلين به؟ ويجيب ابن سينا على ذلك بتحديد موضع رفض أرسطو للجزء الذي لا يتجزأ، أو قيام هذا الرفض على براهين منطقية قوية. قد توحي المقالة الخامسة من «السماع الطبيعي» بالإثبات، ولكن المقالة السادسة واضحة في النفي. وقد اعترض أرسطو على نفسه هذا الاعتراض من قبل وأجاب عنه، ولا يعني باعتراضه أنه يقول إن الجسم يتجزأ إلى ما لا نهاية بالفعل، بل يعني أن كل جزء له وسط وطرفان؛ ومن ثم أمكنه التخلص من شناعة القائلين به وشناعة الرافضين له. والخطأ سوء فهم أرسطو من المفسرين والشراح، ووقوعهم في السفسطة والمغالطة. والحقيقة أن المسألة كلامية، ثم تعشيق نقد أرسطو لمذهب أصحاب الذرة عليها؛ فالفلسفة متأخرة في الظهور على الكلام، والكلام سابق عليها. ورفض أرسطو للجزء الذي لا يتجزأ مثل رفض الفلاسفة وبعض المتكلمين له اتفاقا بين الحضارتين، واعتراض أرسطو على نفسه مثل اعتراض الأصوليين على أنفسهم والرد عليه مسبقا. وينتهي ابن سينا بوضع اللوم على الشراح والمفسرين وضرورة العودة إلى الأصول.

65

والسؤال الخامس لما استشنع أرسطو أن يكون هناك عالم آخر خارج هذا العالم على طبيعة أخرى يجمعها برزخ؟ ويرد ابن سينا على ذلك محددا الموضع الذي قال فيه أرسطو ذلك منكرا أن يكون ذلك في «السماء والعالم»، ومحددا سياق قول أرسطو، وهو رده على من قال بوجود عوالم موافقة لهذا العالم بالنوع والطبع، مغايرة له في الشخصية. وقد نقل الفيلسوف حجج هذا القول في كتاب «السماء» مبينا تناقضاته؛ لأن العلل التي يسميها الفلاسفة الطبيعة والعقل والعلة الأولى لا تنقل النظام إلى لا نظام، بل اللانظام إلى النظام، وكما بين أرسطو ذلك «سمع الكيان»، وفي تفسير ابن سينا للمقالة الأولى من كتاب «ما بعد الطبيعة»، وفي المقالة الخامسة من «السماع الطبيعي» وتفاسيره؛ فالحركات الطبيعية متناهية، إما من المركز أو إلى المركز في جميع الأجسام بالدليل العقلي. أما الكيفيات المحسوسة فهي تسع عشرة كما بينها الفيلسوف في المقالة الثالثة من كتاب «النفس» وشروح ثامسطيوس والإسكندر وغيرهما. يبحث ابن سينا هنا عن دوافع أرسطو وليس مجرد تخطئته. والسؤال هو زيادة في الإيضاح لفهم أرسطو وليس نقضا له؛ لذلك اعتمد رد ابن سينا على الوضوح والاتساق العقلي، ودلل على صحة موقف أرسطو، وأنه ليس مجرد دعوى؛ فإن ما لا دليل عليه يجب نفيه في منطق الأصوليين، وبين أن موقف أرسطو أكثر علمية، ومتفق مع شهادة الحس، وأكثر واقعية عن الافتراض النظري الوهمي لوجود عوالم أخرى مفترضة خارج هذا العالم. كما يستوثق من الرواية عنه طبقا لمناهج النقل عند المسلمين. ويستعمل بعض المصطلحات القرآنية مثل برزخ. يربط بين العالم الواقعي والعالم الوهمي بالرغم من ظهور لفظ «أسطقسات» المعرب عدة مرات، وكذلك لفظ «ماطافوسيقا» قبل ما بعد الطبيعة جامعا بين التقريب والنقل.

66

ويشرح أرسطو بأرسطو كما يشرح المفسرون الكتاب بالكتاب.

67

وفي المسألة السادسة يرد ابن سينا على الاعتراضات على أرسطو مخطئا إياها ومصوبا إياه على طول الخط تعصبا وتحزبا له، بل يعترف أحيانا بتقصير أرسطو، ويتعجب من صاحب المنطق، ويحترم ابن سينا المعترض ويدعو له بطول العمر دون سبه أو لعنه كما يحدث هذه الأيام. يحدد ابن سينا بدقة مكان الاعتراض، ويبين أنه أيضا قد وجه هذا الاعتراض من قبل إلى أرسطو، كما اعتذر عن ذلك المفسرون. وقال ثامسطيوس بضرورة تأويل قول أرسطو على أحسن وجه. وإن بداهة المعترض ونباهته في الرياضيات والهندسة قادرة على الإجابة على مثل هذه الاعتراضات.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٦٥