تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60

كما ذكرت الفرق والمجموعات، مثل: المفسرون ثم الفلاسفة ثم المهندسون والسوفسطائية والفضلاء في صناعة الهندسة وأصحاب العلم الرياضي.

61

كما يذكر الجناح الشرقي في أجوبة الشيخ الرئيس على مسائل أبي الريحان؛ إذ ترد الهند في السؤال؛ لأن أبا الريحان كان على اطلاع على ثقافاتها ودياناتها. فما هو معلوم عند أهل الكتاب وما يحكى عن الهند، أن الفلك غير ثابت، عكس ما ادعاه أرسطو. ثقافة الشرق وثقافة الوحي متفقتان على حركة الفلك عند أرسطو الذي يقول بثباته.

وتبدأ المسائل بأرسطو باستمرار؛ لأنه يمثل آخر ما وصلت إليه ثقافة العصر.

62

وأرسطو في الفلسفة اليونانية يدل أيضا على آخر ما وصلت إليه الفلسفة اليونانية؛ لذلك بدأ يؤرخ لها. والتاريخ رصد للبداية علامة على الاكتمال وبداية النهاية، كما أن الإسلام آخر مرحلة في النبوة اكتمالا لمراحل الوحي السابقة؛ فأرسطو آخر الحكماء كما أن محمدا آخر الأنبياء؛ لذلك يبدوان متفقين في الرؤية، لا فرق بين حكمة ونبوة.

والمسائل المذكور فيها أرسطو أربعة، الثانية والرابعة والخامسة والسادسة؛ فالسؤال الثاني عن اعتماد أرسطو على أقاويل القرون الماضية والأحقاب السالفة في الفلك، واعتبارها حجة قوية على ثبات الفلك ودوامه. ومن لم يتعصب لأرسطو يعلم أن ذلك غير صحيح، وهو ما يعرفه أهل الكتاب، وما يحكى عن الهند وأمثالهم من الأمم نظرا لتعاقب الحوادث على مكان المعمور من الأرض، إما جملة وإما على التناوب. اعتمدت شهادة القدماء على حال الجبال وشهادة المحدثين على وقوع الأحداث. وهو سؤال الثبات والتغير في العالم. ورد ابن سينا دفاعا عن أرسطو بأنه لم يورد ذلك على سبيل البرهان، بل على سبيل المقارنة بين السماء والأرض، وأن الجبال وإن بدت ثابتة في كلياتها إلا أنها متغيرة في جزئيتها، وهو ما لاحظه أيضا أفلاطون. وقد أثار هذا الاعتراض من قبل يحيى النحوي الذي موه على النصارى وزايد في الدين على حساب العلم والعقل إظهارا لمخالفته لأرسطو. لقد افتعل يحيى النحوي آخر كتاب «الكون والفساد» لأرسطو الخلاف معه في هذه المسألة. كذلك تجاوز الرازي المتكلف الفضولي قدره في شروحه في الإلهيات، وعرضه الخراج، ونظره في الأبوال والبرازات، وكشف عن جهله بنفسه. وواضح من السؤال والجواب نقد البيروني لأرسطو، وأنه لا أحد معصوم من الخطأ. وهو نقد علمي لرأي أرسطو في ثبات الفلك، بل وضد النظرة السكونية للعالم على الإطلاق.

63

ويقوم ابن سينا بدور القاضي الحصيف بين البيروني وأرسطو، وكما سيفعل ابن رشد فيما بعد بين الغزالي والفلاسفة، والمعتزلة والأشاعرة، والمذاهب الفقهية، مبينا نوع كلام أرسطو، وأنه ليس برهانيا بل خبري، وتأييد قول أرسطو استشهادا بأفلاطون؛ فلا إعجابا بأرسطو وحده، بل عرضا لتصور حضاري للعالم يشارك فيه اليونان مع الإحالة إلى المصادر، كتاب «السياسات» لأفلاطون، وأغلب الظن أنها محاورة «الجمهورية». مصدر الاعتراض سوء نية يحيى النحوي المنافق الذي يزايد في الدين، ويتملق النصرانية ضد أرسطو ليظهر التعارض بين الإيمان والكفر، مع أنه وافق أرسطو في تفسير آخر له لكتاب «الكون والفساد». رفض ابن سينا إذن التفسير النصراني لأرسطو باسم الإسلام دفاعا عن الحق وأكثر فهما للدين، وكذلك وافقه الرازي بالرغم من تجاوزه في البرازات، لا فرق بين الداخل والخارج؛ فالكل يصب في مخزون نفسي واحد. المعترض إذن جاهل، ويضمر سوء النية. وينهي ابن سينا جوابه دفاعا عن أرسطو في قوله إن العالم لا بدء له؛ بمعنى لا فاعل له. هناك فرق بين البداية والفعل درءا لتهمة قدم العالم أو التعطيل على ما يقول المتكلمون. لا يجوز إذن الاستخفاف بأرسطو أو ادعاء المدافعين عنه تعصبا والإصرار على الباطل لأنه قبيح.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٦٤