تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يعني تمثل الوافد وغياب تنظير الموروث الانعزال عن العصر وقضاياه، بل هو استجابة إلى شك متفلسفة العصر من قبل الوهم وسوء القياس، والظن بالعدد أنه ذو نهاية من تلقاء أوله، وغير متنهاه من تلقاء آخره. يبين ابن عدي فساد هذا الرأي وبطلان هذا الوهم، وإثبات أنه لا يوجد في العدد معنى غير التناهي أو عدد لا نهاية له. ويعتمد في ذلك على الأوائل في العقل. وقد يكون الدافع على ذلك تفرد الله بصفة اللامتناهي كما أوضح الكندي من قبل. وإذا كانت الرسالة تبدأ بالبسملة من الناسخ فإنها تنتهي بطلب تأييد «الله الهادي إلى الحق، البادئ بالجود على الخلق، ذي الجود والحكمة والحول، ولي العدل، وواهب العقل»، له الحمد والشكر كما هو أهل له. (ب) وفي «تبيين وجود الأمور العامية، والنحو الذي عليه تكون محمولة، والنحو الذي تخرج به من أن تكون محمولة» يتصدر الفيلسوف أرسطو ومؤلفاته، البرهان، ثم السماع الطبيعي، ثم الكون والفساد والنفس.

34

ويؤخذ قول أرسطو حجة لمنكري وجود المعاني والصور الذهنية والنفسية في الخارج؛ لقوله في «البرهان» إن الصور فرع باطل، وإن إثباتها في الخارج ليس اضطرارا؛ ولقوله في «النفس» إن ما يوجد في الخارج هي الأشخاص، وقوله في «الكون والفساد» إن الجسم العام لا وجود له. كل ذلك في إطار نقده لنظرية المثل، وهو سوء تأويل لأقوال أرسطو. صحيح أن أرسطو ينكر وجود المعاني الكلية في الخارج، ولكنه يثبت وجودها وجودا منطقيا، كما صرح في «قاطيغورياس» أن ليس كل الموجودات في موضوع، وصرح في «البرهان» بإمكانية وجود كلمات تضم الأجزاء، وهي الأمور العامة، وبين أيضا أن البرهان لا يكون إلا على الكلي وليس على الجزئي، وأن البرهان على الكلي أفضل من البرهان على الجزئي. وإذا كان العلم لا يكون بما ليس بموجود، فكيف لا يكون للكليات وجود منطقي، وأرسطو فيلسوف مبرز وعاقل؟ من الواضح إذن إثبات أرسطو المعاني كأنواع، والأنواع لها وجود منطقي، وهو ما صرح به أرسطو في «السماع الطبيعي»، كما أن الصورة متصلة بالمادة، والمادة تقبلها؛ فالصورة ليست مجرد وهم؛ ومن ثم يفسد تأويل قول أرسطو بأن المعاني لا توجد إلا في النفس. الموجودات عند أرسطو على درجات بين المادة والصورة، كما صرح بذلك في «السماع الطبيعي». يعني تمثل الوافد إذن تصحيح فهم أقوال أرسطو ضد سوء تأويلها من مختلف الفرق، والعودة إلى نصوص أرسطو المتقابلة في عديد من مؤلفاته المنطقية والطبيعية لإعطاء التأويل الصحيح، وهو ما كرره ابن رشد فيما بعد. وباستثناء البسملة في البداية من المؤلف أو الناسخ لا توجد إيمانيات أو حمدلات أو دعوات وصلوات. (ج) وفي «مقالة في تزييف قول القائلين بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ» لا يذكر من الوافد إلا «السماع الطبيعي»، وهو نقد للمتكلمين مثل نقد ابن رشد؛ فقد تبين فيه أن لكل صورة من الصور الطبيعية مقدارا من العظم لا يوجد في أصغر منه، وهو تلبيس من الخصوم.

35 (د) وفي «مقالة بينه وبين إبراهيم بن عدي الكاتب، ومناقضته في أن الجسم جوهر وعرض» يذكر أرسطو مرة واحدة اعتمادا عليه لإثبات فساد العالم أي فئاته، وهي قضية أولية في العقل لا تحتاج إلى برهان. ومع ذلك فإن الدليل هو أن كل جسم جوهر وعرض سواء في هذه الدنيا أو في غيره. ويكشف ابن عدي عن التصور الديني للعالم، وما هو مستقر به في الديانات من القول بالمعاد والثوب والعقاب. وقد حدث التراكم الفلسفي في هذه الفترة المبكرة؛ فيحيى بن عدي يناقض إبراهيم بن عدي.

36 (ه) وفي «قول فيه تفسير أشياء ذكرها عند ذكره فضل صناعة المنطق» لا يذكر إلا الفيلسوف أرسطو ثم السوفسطائيون.

37

وهو دفاع عن المنطق ضد مغالطات السوفسطائيين، وإثبات للمنطق المعياري ضد المنطق البرجماتي. ويعتمد على أرسطو في إخراج النتائج اليقينية من المقدمات اليقينية الكاذبة، والنتائج الكاذبة من المقدمات الكاذبة. وبعد البسملة من المؤلف أو الناسخ تتم الدعوة بطول العمر للسائل، فالمقالة إجابة على سؤال، والدعوة لله ذي الجود والحكمة والحول، ولي العدل، وواهب العقل، والشكر له دائما كما هو أهل له. (و) وفي مقالة «في تبيين أن الشخص اسم مشترك» لا يذكر إلا فرفوريوس، وتعريفه للشخص الذي يطلق على كل واحد ضد المتفلسفين الذين زاغوا عن الحق، واعترفوا أنه يدل على معنى واحد بعينه عام موجود لجميع الأشخاص. تمثل الوافد هنا يعني تصحيح خطأ الفلاسفة؛ فالشخص اسم مشترك يدل على معنيين. ولا يذكر من الموروث إلا المثل العربي زيد وعمرو لضرب المثل على اسم شخص. وينتهي المقال إلى أن اسم الشخص مشترك، وأن المعاني التي يدل عليها متفقة أسماؤها وليست متواطئة، بتوفيق الله وتسديده وحين معونته. وينتهي المقال بالدعوة بالتوفيق والتسديد وحسن العون من الله.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٦